وول ستريت.. في 2026... مرحلة صعود لكن الأخطار تربك المستثمرين
19/08/2026
سيرياستيبس
كتب الاعلامي غالب درويش
ضغطت موجة بيع جديدة في أسهم الرقائق على "وول ستريت" الثلاثاء، بعدما تحولت عوائد السندات الأميركية وأسعار الطاقة إلى مصدر ضغط مباشر على سوق كانت قد عادت قبل أيام إلى الاقتراب من مستويات قياسية بدعم نتائج الشركات وطفرة الذكاء الاصطناعي.
والمفارقة أن التراجع لا يأتي في موسم أرباح ضعيف، فالنتائج الفصلية لا تزال من الأقوى منذ أعوام، لكن المستثمرين أصبحوا يدفعون ثمناً أعلى للمال، فيما أعاد ارتفاع النفط خطر التضخم إلى الحسابات، لتجد الأسهم نفسها بين أرباح تدفعها إلى الأعلى وسندات وفائدة وطاقة تعمل في الاتجاه المعاكس.
ويتركز الضغط بصورة أكبر على التكنولوجيا، لأن ارتفاع العائد طويل الأجل يخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية ويجعل السندات أكثر جاذبية، فيما تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى مئات المليارات لتمويل مراكز البيانات والرقائق والطاقة قبل ظهور العائد الكامل على تلك الاستثمارات.
وهكذا لم يعد الرهان في "وول ستريت" على استمرار نمو الأرباح وحده، بل على قدرتها على النمو بسرعة تكفي لمواجهة ارتفاع كلفة التمويل، من دون أن يعيد النفط إشعال التضخم ويدفع مجلس الاحتياط الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية مجدداً.
أرقام متباينة
في تعاملات 18 أغسطس (آب)، هبط "ستاندرد أند بورز 500" نحو 0.6 في المئة و"ناسداك 100" نحو 1.7 في المئة، بينما تراجع مؤشر لأشباه الموصلات بنحو 6 في المئة. وفي المقابل لامس عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.337 في المئة، الأعلى منذ 2007، ووصل عائد العشر سنوات إلى نحو 4.75 في المئة، وهو مستوى لم يشاهد منذ يناير (كانون الثاني) 2025.
ولا تنفصل هذه القفزة عن التضخم. فقد تباطأ مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.4 في المئة في يوليو (تموز) من 3.5 في المئة في يونيو (حزيران)، بينما بلغ التضخم الأساسي 2.5 في المئة، لكن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس الأوسع الذي يتابعه "الفيدرالي"، كان لا يزال عند 3.7 في المئة في يونيو والأساسي عند 3.3 في المئة، أي أعلى بوضوح من هدف 2 في المئة.
ومنذ بداية 2026 أبقى "الفيدرالي" الفائدة بين 3.5 و3.75 في المئة في اجتماعات 28 يناير و18 مارس (آذار) و29 أبريل (نيسان) و17 يونيو (حزيران) و29 يوليو (تموز)، لكن القرار الأخير صدر بتصويت تسعة مقابل ثلاثة، إذ طالب الأعضاء الثلاثة المخالفون برفعها ربع نقطة، فيما يحل الاجتماع المقبل في 15 و16 سبتمبر (أيلول).
وعلى الجانب الآخر، أظهرت "فاكت ست" أن 86 في المئة من شركات "ستاندرد أند بورز 500" التي أعلنت نتائجها تجاوزت توقعات الأرباح، وبلغ نمو أرباح الربع الثاني 50.4 في المئة، أو 32 في المئة بعد استبعاد المكاسب الاستثنائية لـ"ألفابت" و"أمازون"، فيما يتوقع نموها 27.4 في المئة في الربع الثالث و25.2 في المئة في الرابع.
ويتداول المؤشر عند مكرر أرباح متوقع يبلغ 20 مرة مقابل متوسط 19 مرة خلال 10 أعوام.
لكن الاقتصاد نفسه تباطأ إلى نمو 1.5 في المئة خلال الربع الثاني من 2.1 في المئة في الأول، مما يزيد صعوبة الجمع بين فائدة مرتفعة ونمو أبطأ.
وفي السياق، أفاد محللون لـ"اندبندنت عربية" بأن قوة الأرباح لا تزال تمنع تحول التراجع إلى مسار هابط واضح، وأشاروا إلى أن الخطر يكمن في اجتماع النفط المرتفع مع عوائد السندات وتقييمات التكنولوجيا، وأوضحوا أن استمرار هذه العوامل قد يحول التصحيح الطبيعي إلى إعادة تسعير أوسع.
استمرار النمو أصبح أكثر صعوبة
من جهته، قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات، وضاح الطه، إن المؤشرات الأميركية سجلت مستويات قياسية مدعومة بالأرباح القوية للشركات، ولا سيما في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكن الحفاظ على وتيرة النمو نفسها خلال الفترات المقبلة أصبح أكثر صعوبة، مما يرفع مستوى الحذر في الأسواق.
وأوضح أن أي تباطؤ في نمو الأرباح قد يدفع الأسهم إلى التراجع، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الأميركي، نظراً إلى ارتباط نسبة كبيرة من ثروات الأسر بالأسواق المالية. وأضاف أن انخفاض قيمة المحافظ الاستثمارية قد يدفع بعض الأسر إلى تقليص إنفاقها، بما يضغط على الاستهلاك ويؤثر في معدلات النمو الاقتصادي.
وأشار الطه إلى أن مصدر قلق آخر يتمثل في الإنفاق الرأسمالي الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "ألفابت" و"أبل" و"إنفيديا"، في ظل سباق الاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ولفت إلى أن بعض الالتزامات المرتبطة بهذه الاستثمارات تمتد لسنوات طويلة، وصولاً إلى 2029 و2030 وما بعدها، ولا تنعكس بالكامل في القوائم المالية الحالية، مما يثير تساؤلات حول حجم الأعباء المستقبلية التي قد تتحملها الشركات مع استمرار الإنفاق بمستوياته المرتفعة.
وأضاف وضاح الطه أن الصورة تصبح أكثر تعقيداً مع استمرار الضغوط التضخمية، إذ تواجه الأسواق في الوقت نفسه احتمالات تباطؤ نمو الأرباح، وضخامة الإنفاق الرأسمالي، وتأثر إنفاق المستهلكين بأي تراجع في أسعار الأسهم.
وختم الطه بأن تصاعد الحرب في الشرق الأوسط يمثل عامل خطر إضافياً، إذ قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة مجدداً، بما يزيد الضغوط التضخمية ويرفع أعباء الأسر الأميركية، ويحد من قدرتها على الإنفاق، بما قد ينعكس في نهاية المطاف على الاقتصاد والأسواق
العائد أولاً
ويتصل ذلك مباشرة بما قاله المستشار المالي محمود عطا، إذ يرى أن "نتائج الشركات ستكون أكثر حسماً من العناوين التقنية"، لأن المستثمر لم يعد يسأل عن حجم الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات فقط، بل عما إذا كان سينعكس على التدفقات النقدية والأرباح. وحذر من أن تباطؤ الهوامش أو الطلب قد يدفع إلى تقليص المراكز في الأسهم الأكثر استفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي.
ديون ممتدة
أما المتخصص في الاقتصاد العالمي محمد كرم فيربط الخطر بالتمويل، محذراً من أن توسع شركات التكنولوجيا في إصدار السندات يحول سباق الذكاء الاصطناعي إلى التزام طويل الأجل، وأن تعثر العوائد قد يضع خدمة تلك الديون تحت ضغط.
وتزداد أهمية ذلك مع توقع تضاعف إصدارات السندات لدى خمسة من كبار مشغلي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 250 مليار دولار هذا العام، بينما يتجه إجمالي الإنفاق الرأسمالي الأميركي إلى تجاوز تريليون دولار.
السندات تزاحم
وفي قراءة نقلتها وكالة "بلومبيرغ"، قال رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية لدى شركة "لومبارد أودييه" فلوريان يلبو، إن معدل العائد المطلوب على الاستثمار يرتفع مجدداً، لكن بفعل اجتماع النفط وزيادة المعروض من الديون وارتفاع علاوة الأجل، بينما يرى جوناس غولترمان من "كابيتال إيكونوميكس" أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر عن الأخطار المالية والجيوسياسية.
وحذر تقرير بحثي صادر من "بلومبيرغ" أخيراً من أن تباطؤ نمو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حتى مع تجاوزه تريليون دولار، قد يهدئ طفرة أرباح "ستاندرد أند بورز 500" ويضغط تحديداً على أسهم الرقائق.
اختبار الصعود
وبذلك يبقى الاتجاه الصاعد قائماً لكنه لم يعد مريحاً. فاستمرار الأرباح القوية قد يمتص أثر السندات، لكن اجتماع نفط مرتفع وتضخم عنيد وعوائد طويلة الأجل قرب قمم عقدين، مع تأخر مردود استثمارات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يحول أي جني أرباح إلى تصحيح أعمق.
والحسم لن يكون في سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد، بل في ما إذا كانت أرباحه ستصل بالسرعة الكافية لتبرير الأسعار التي دفعتها "وول ستريت" مقدماً.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=131&id=206971