هل البيتوتية لدى المرأة طبع أم نمط حياة؟
19/08/2026
سيرياستيبس
يتباين ميل النساء إلى البقاء في المنزل أو الخروج بحسب الشخصية ونمط الحياة والمسؤوليات، وقد تتغير هذه العلاقة مع العمر والعمل وتجربة كورونا. وبينما تجد بعضهن الراحة في البيت، تحتاج أخريات إلى تغيير المكان لكسر الروتين واستعادة النشاط، من دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بالانطواء أو كثرة العلاقات الاجتماعية
قد تمضي امرأة أياماً من دون أن تغادر منزلها، مستمتعة بالهدوء والوقت الخاص، ولا تشعر بأن ثمة ما ينقصها في الخارج. وفي المقابل، قد تحتاج أخرى بعد يوم أو يومين فقط إلى تغيير المكان، ولو بجولة قصيرة أو كوب قهوة، لتستعيد نشاطها ثم تعود إلى منزلها براحة أكبر.
وتعني "البيتوتية"، أو تفضيل قضاء الوقت في المنزل، الميل إلى الشعور براحة ومتعة أكبر داخله، مع حاجة أقل إلى الخروج المتكرر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانطواء أو العزلة. كذلك فإن تفضيل الخروج لا يعني بالضرورة كثرة المناسبات أو البحث الدائم عن الترفيه، فقد يكون مجرد وسيلة لكسر الروتين وتجديد النشاط.
وبين من تجد راحتها في البقاء داخل المنزل ومن تحتاج إلى مغادرته لبعض الوقت حتى تستعيد طاقتها، يبرز السؤال: ما الذي يصنع هذا الاختلاف؟ هل هو جزء من طبيعة الشخصية، أم أن العمر ونمط الحياة والمسؤوليات والتجارب المختلفة تغير علاقتنا بالمنزل؟
الخروج ليس مقياساً للاجتماعية
قد يرتبط الميل إلى البقاء في المنزل بطبيعة الشخصية وطريقة الشعور بالراحة، فهناك من يستعيد نشاطه في الهدوء والأماكن المألوفة، بينما تحتاج أخريات إلى تغيير المكان والحركة من وقت إلى آخر، حتى لو كان ذلك بخروج قصير أو جولة بسيطة.
ولا تعني "البيتوتية" بالضرورة الانعزال أو قلة العلاقات الاجتماعية، فقد تكون المرأة اجتماعية وتستمتع باللقاءات، لكنها لا تشعر بحاجة مستمرة إلى مغادرة المنزل.
وفي المقابل، لا تعني كثرة الخروج بالضرورة أن المرأة أكثر اجتماعية بشكل مفرط، إذ قد يكون هدفها ببساطة كسر الروتين أو تغيير الأجواء واستعادة نشاطها.
وتجسد أم فواز النموذج الأول، إذ تقول إنها كانت في السابق محبة للخروج والتنزه، لكنها مع مرور السنوات أصبحت تجد راحتها أكثر داخل المنزل، إلى درجة أنها بالكاد تتذكر كيف كان الخروج اليومي جزءاً من حياتها. وتضيف أن اعتمادها على التسوق الإلكتروني ازداد بصورة كبيرة، فلم تعد ترى حاجة إلى الخروج حتى لشراء احتياجات المنزل، مشيرة إلى أنها أثثت منزلها كاملاً تقريباً عبر الشاشة، من دون الحاجة إلى التنقل بين المتاجر.
أما المناسبات الاجتماعية، فتقول إنها أصبحت تتطلب منها جهداً أكبر، وغالباً ما تحاول الاعتذار عنها ما لم تكن مهمة أو يصعب التغيب عنها.
وفي تجربة مختلفة، تقول أم سعود إن قيادة السيارة بنفسها سهلت عليها الخروج وجعلته جزءاً شبه يومي من روتينها، حتى إنها قد تبحث أحياناً عن سبب بسيط لمغادرة المنزل عندما لا تكون لديها حاجة ملحة.
وتوضح أن الخروج بالنسبة إليها لا يرتبط دائماً بالترفيه أو اللقاءات الاجتماعية، فقد يكفيها أحياناً التجول قليلاً أو شراء كوب قهوة لتغيير الأجواء. كذلك تعدد دوائرها الاجتماعية وصداقاتها يمنحها أسباباً إضافية للخروج.
وتقول إن تغيير المكان يساعدها على تجديد نشاطها ورفع معنوياتها، لتعود بعدها إلى المنزل براحة أكبر وقدرة أفضل على التعامل مع مسؤولياتها اليومية.
وفي نموذج ثالث، تقول نورة محمد إنها كانت اجتماعية طوال حياتها، لكن مسؤوليات العمل وامتداد ساعات دوامها إلى وقت متأخر جعلا الخروج بصورة روتينية أكثر صعوبة، لتصبح الراحة والنوم المبكر وقضاء الوقت مع الأسرة أولويات تتقدم على كثير من الخطط الاجتماعية.
وتوضح أن ذلك لا يعني أنها فقدت رغبتها في الخروج، بل تغيرت طريقة تنظيمها لوقتها. فإذا شعرت بالحاجة إلى كسر الروتين، تحاول أحياناً تخصيص وقت خلال منتصف الأسبوع للخروج إلى الإفطار أو القيام بنشاط بسيط، من دون أن يؤثر ذلك في التزاماتها المهنية والعائلية.
ومع محدودية الوقت، بدأت تبحث أيضاً عن طرق لتغيير الأجواء داخل المنزل، مثل الاستعانة بخدمات الاسترخاء أو العناية بالأظافر في البيت، قائلة إنها بعد العودة متأخرة تفضل البقاء مع أسرتها، ولذلك أصبحت تنجز في المنزل ما يمكن إنجازه فيه. وترى أن الأمر لا يتعلق بعدم حبها للخروج، بقدر ما يعكس تغير أولوياتها وطريقة استعادة نشاطها مع تغير نمط حياتها.
وتنسجم تجربة نورة مع نتائج دراسة سعودية نشرت عام 2024 وشملت 358 امرأة سعودية يعملن في المجال الأكاديمي، إذ بحثت العلاقة بين العمل والحياة المنزلية ودور الانفصال الذهني عن العمل خلال المساء. وأظهرت أن العلاقة بين المجالين لا تقتصر على الصراع، بل قد تنتقل خبرات إيجابية من أحدهما إلى الآخر، فيما يؤثر الانفصال النفسي عن العمل في طبيعة التفاعل بين الحياة المهنية والخاصة.
بين الطبع ونمط الحياة
يرى الأخصائي الاجتماعي محمد حمزة أن اختلاف النساء في تفضيل المنزل أو الخروج لا يرتبط بعامل واحد، بل بتداخل الشخصية والضغوط اليومية ونمط الحياة وطبيعة المسؤوليات.
ويوضح أن بعض النساء يجدن في المنزل مساحة للهدوء وتقليل المشتتات، خصوصاً إذا كان يومهن مليئاً بالعمل والتواصل، بينما تحتاج أخريات إلى تغيير المكان أو الحركة أو رؤية مشاهد جديدة لكسر الرتابة واستعادة نشاطهن.
ويضيف أن المسؤوليات اليومية تغير أيضاً معنى المنزل نفسه. فالمرأة التي تقضي ساعات طويلة خارجه قد تراه ملاذاً للراحة، بينما قد تنظر إليه من ترتبط ساعاتها داخله برعاية الأطفال والأعمال المنزلية باعتباره امتداداً لمسؤولياتها، ليصبح الخروج بالنسبة إليها مساحة موقتة للابتعاد عنها.
كذلك يشير إلى أن تطور الخدمات المنزلية والرقمية جعل قضاء الوقت في المنزل أكثر سهولة وجاذبية، إذ أصبح من الممكن إنجاز كثير من الاحتياجات اليومية من دون مغادرته.
كورونا... انتهى الحجر وبقيت بعض العادات؟
وأضافت جائحة كورونا بعداً آخر إلى هذه العلاقة، بعدما تحول البقاء في المنزل خلال فترات الإغلاق من خيار إلى واقع مفروض، وانتقلت أنشطة كثيرة، من العمل والتسوق إلى الترفيه والتواصل، إلى الشاشات والتطبيقات.
ويرى حمزة أن بعض العادات التي ترسخت خلال تلك الفترة استمرت بعد انتهاء القيود، بالتزامن مع توسع خدمات التوصيل والتسوق الإلكتروني والخدمات الرقمية، مما قلل الحاجة إلى الخروج لإنجاز كثير من المهام اليومية.
ويقول إن ذلك أتاح لبعض النساء اكتشاف طرق جديدة لقضاء الوقت في المنزل وممارسة أنشطة وهوايات داخله، فيما أصبح الخروج لدى بعضهن خياراً أكثر منه ضرورة.
كذلك أسهم التواصل الرقمي في تغيير معنى البقاء في المنزل، فلم يعد يعني بالضرورة الابتعاد عن الآخرين، إذ يمكن للشخص أن يحافظ على تواصله الاجتماعي من دون مغادرة البيت.
وفي النهاية، يؤكد حمزة أن تفضيل المنزل أو الخروج يرتبط بما يمنح كل شخص الراحة والتوازن، سواء كان ذلك في قضاء وقت هادئ داخل المنزل أو في جولة قصيرة خارجه.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=200&id=206954