البنوك تتسابق لإطلاق الودائع المرمّزة... ماذا يعني ذلك للعملاء؟
12/08/2026
سيرياستيبس
تتسابق البنوك الأميركية الكبرى لإطلاق الودائع المرمزة، التي تتيح تحويل الودائع المصرفية التقليدية إلى صورة رقمية يمكن نقلها واستخدامها عبر شبكات البلوك تشين. وتستهدف البنوك من هذه الخطوة تسريع حركة أموال الشركات وتنفيذ المعاملات على مدار الساعة، إلى جانب منافسة العملات المستقرة التي توسع استخدامها في المدفوعات الرقمية. والأسبوع الماضي، أعلن بنك "ويلز فارغو"، رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة بأصول تبلغ نحو 2.3 تريليون دولار، أنه سيبدأ خلال الخريف المقبل تقديم ودائع مرمزة لعملائه من الشركات والمؤسسات التجارية، لينضم إلى "جيه بي مورغان" و"سيتي غروب" اللذين يقدمان بالفعل خدمات مماثلة.
وتشير هذه التحرّكات، وفق مجلة "فوربس"، إلى انتقال الودائع المرمزة من مرحلة التجارب إلى الاستخدام التجاري، بالتزامن مع توسع استخدام البلوك تشين في أجزاء أخرى من الأسواق المالية، من الأوراق المالية وصناديق الاستثمار إلى عمليات الحفظ والمقاصة والتسوية. والبلوك تشين، هي سجل رقمي مشترك تسجل عليه المعاملات بطريقة تسمح للأطراف المصرح لها بالاطلاع على سجل متزامن لحركة الأموال والملكية. وبدلاً من مرور المعاملة عبر أنظمة منفصلة لدى البنك والوسيط وجهة التسوية، ثم مطابقة البيانات بينها، يمكن للبلوك تشين تسجيل انتقال الأموال والأصول على شبكة مشتركة، ما يساعد على تسريع التسوية وتنفيذ بعض المعاملات على مدار الساعة وتقليل عدد الخطوات والوسطاء اللازمَين لإتمامها.
ويتصدّر "جيه بي مورغان" السباق من خلال شبكة "كينيكسيس"، التي تعالج معاملات تزيد قيمتها على 7 مليارات دولار يومياً، فيما تجاوز إجمالي المعاملات التي عالجتها منذ إطلاقها 4 تريليونات دولار. ولا تعمل البنوك بصورة منفردة فحسب، إذ يشارك "جيه بي مورغان" و"سيتي غروب" و"ويلز فارغو" و"بنك أوف أميركا"، إلى جانب أكثر من 12 مؤسسة إقراض كبرى أخرى، في مبادرة تديرها شركة المدفوعات المملوكة للبنوك "ذا كليرينغ هاوس"، لتطوير نظام مشترك يسمح بنقل الودائع المرمزة بين المؤسسات المالية. ويستهدف إطلاق النظام خلال النصف الأول من عام 2027، على أن تكون الشركات متعدّدة الجنسيات أول المستخدمين.
ما الودائع المرمزة؟
الوديعة المرمزة هي في الأساس وديعة مصرفية تقليدية يمثلها البنك في صورة رمز رقمي مسجل على شبكة بلوك تشين. ولا يعني ذلك أن البنك يحول أموال العميل إلى عملة مشفرة، أو أن الأموال تخرج من النظام المصرفي، إذ تظل الوديعة التزاماً على البنك تجاه صاحبها كما هو الحال مع الحساب المصرفي التقليدي، لكن تمثيلها رقمياً يسمح باستخدامها داخل أنظمة قائمة على البلوك تشين. فعلى سبيل المثال، إذا كانت شركة تحتفظ بمليون دولار في حساب مصرفي، يمكن للبنك إصدار تمثيل رقمي لهذه الوديعة يتيح للشركة استخدام الأموال في عمليات دفع أو تحويل أو تسوية معاملات مالية عبر شبكة بلوك تشين.
والتغيير هنا لا يتعلق بقيمة الدولار نفسه، وإنما بالطريقة التي تسجل بها ملكية الأموال والطريقة التي يمكن بها نقلها وتسوية المعاملات باستخدامها. وتسمح هذه التقنية للشركات بتحويل الأموال عبر مناطق زمنية مختلفة، وتنفيذ بعض المعاملات على مدار الساعة، وبرمجة المدفوعات بحيث تجري عند تحقق شروط محددة، إضافة إلى استخدام الودائع المصرفية مباشرة في تسوية عمليات شراء الأصول المرمزة.
ماذا يعني ذلك للعملاء؟
في المرحلة الحالية، يستهدف سباق الودائع المرمزة بصورة أساسية الشركات والمؤسسات، وليس عملاء التجزئة العاديين، إذ قال "ويلز فارغو" إنّ خدمته ستتاح للعملاء من الشركات والمؤسسات التجارية، بينما تستخدم شبكات مماثلة أساساً في المدفوعات والتسويات المؤسسية. وتظهر الفائدة بصورة أكبر لدى الشركات متعددة الجنسيات التي تحتاج إلى نقل السيولة بين دول ومناطق زمنية مختلفة، أو المؤسسات التي تتعامل في أوراق مالية وأصول مرمزة. فبدلاً من انتظار عمل عدد من الأنظمة المصرفية والمؤسسات الوسيطة لإتمام بعض المعاملات، يمكن استخدام الوديعة المرمزة لإجراء التسوية على شبكة رقمية متوافقة.
وإذا كانت الورقة المالية والأموال المستخدمة في شرائها مسجلة على أنظمة تستطيع التواصل فيما بينها، يمكن أن ينتقل الأصل إلى المشتري في اللحظة نفسها التي تنتقل فيها الأموال إلى البائع. ويقلل ذلك الفترة التي يظل خلالها أحد طرفي المعاملة معرضاً لمخاطر انتظار الطرف الآخر لإتمام التسوية، كما يمكن برمجة الرمز نفسه لتنفيذ وظائف محددة، مثل دفع الفائدة أو تحرير ضمان مالي بمجرد تحقق شروط معينة أو منع انتقال أصل إلى مستثمر غير مؤهل لامتلاكه.
ولا تمثل السرعة وحدها السبب الرئيسي وراء استخدام الودائع المرمزة، إذ تعمل بالفعل أنظمة دفع أميركية مثل "فيد ناو" وشبكة المدفوعات الفورية التابعة لـ"ذا كليرينغ هاوس" على مدار الساعة، لكن الاختلاف يظهر بصورة أكبر عندما تريد شركة نقل الأموال بين العملات والمناطق الزمنية أو استخدام أموال مصرفية في تسوية أصل مرمز من دون العودة في منتصف العملية إلى شبكات الدفع التقليدية.
لماذا تتسابق البنوك عليها؟
وراء هذا التحوّل سبب تجاري مباشر بالنسبة إلى البنوك، فالودائع ليست مجرد أموال يحتفظ بها العملاء في حساباتهم، وإنما تعد مصدراً رئيسياً لتمويل الإقراض، كما تساعد المصارف على الاحتفاظ بنشاط المدفوعات وعلاقات العملاء داخل منظومتها. وتواجه البنوك في الوقت نفسه منافسة متزايدة من العملات المستقرة، التي تسمح للمستخدمين بتحريك قيمة مقومة بالدولار عبر شبكات البلوك تشين دون الاعتماد في كل معاملة على شبكات الدفع المصرفية التقليدية. وبحسب "فوربس"، نمت سوق العملات المستقرة إلى نحو 300 مليار دولار، ما وفر للأسواق القائمة على البلوك تشين وسيلة دفع واسعة الاستخدام وقاعدة كبيرة من المستخدمين الذين يحتفظون بالفعل بدولارات رقمية.
ولا تعني العملات المستقرة بالضرورة خروج الأموال بالكامل من النظام المصرفي، إذ تحتفظ الجهات المصدرة باحتياطيات لدى البنوك وفي أصول مالية أخرى، لكنها تستطيع تحويل جزء من نشاط المدفوعات والعلاقة مع العملاء نحو شركات العملات المستقرة. ومن هنا تمثل الودائع المرمزة بالنسبة إلى البنوك وسيلة لتقديم بعض المزايا التي توفرها العملات المستقرة، مع إبقاء الأموال داخل النظام المصرفي.
ما الفرق بين الودائع المرمزة والعملات المستقرة؟
رغم أن الوديعة المرمزة والعملة المستقرة يمكن أن تمثلا قيمة مقومة بالدولار وتتحركا عبر البلوك تشين، فإن الفارق الأساسي يتعلق بالجهة التي تدين لحاملها بالأموال وطبيعة الحقوق المرتبطة بها. فإذا أصدر بنك مثل "ويلز فارغو" دولاراً مرمزاً، فإن البنك يظل مديناً لحامل الرمز بدولار واحد، كما يحدث مع الرصيد الموجود في حساب وديعة تقليدي، وتطبق القواعد المصرفية المعتادة وحدود التأمين الفيدرالي على الودائع حيثما تنطبق.
أما عملة مستقرة مثل "USDC"، فتصدرها شركة "سيركل" مقابل احتياطيات من النقد وأوراق مالية قصيرة الأجل، من بينها سندات الخزانة الأميركية. وصممت العملة للحفاظ على قيمة دولار واحد، لكنها ليست في حد ذاتها وديعة مصرفية مؤمنة. ويعني ذلك أن حامل الوديعة المرمزة لديه مطالبة مالية على البنك المصدر، بينما يعتمد حامل العملة المستقرة على الجهة المصدرة واحتياطياتها.
وفي المقابل، تواجه الودائع المرمزة مشكلة لا تواجهها العملات المستقرة بالدرجة نفسها، وهي التجزؤ بين البنوك. فالوديعة المرمزة التي يصدرها بنك معين لا يمكن حالياً تحويلها تلقائياً إلى عميل يتعامل مع بنك آخر، كما أنها تحمل مخاطر الائتمان المرتبطة بالبنك المصدر. ولهذا تعمل "ذا كليرينغ هاوس" والبنوك المشاركة معها على إنشاء نظام يسمح بنقل الودائع المرمزة بين البنوك الأعضاء، وهي خطوة ستكون ضرورية إذا أرادت البنوك تحويل هذه المنتجات من خدمات تعمل داخل شبكات منفصلة إلى وسيلة دفع أوسع نطاقاً.
وول ستريت تتحرّك في الاتجاه نفسه
ولا يأتي سباق الودائع المرمزة بمعزل عن تحول أوسع داخل الأسواق الأميركية، إذ بدأت مؤسسات إدارة الأصول والبورصات وشركات المقاصة والتسوية بناء البنية اللازمة لتداول أنواع مختلفة من الأصول على البلوك تشين، وفق "فوربس". ونفذت شركة "ديبوزيتوري تراست آند كليرينغ كوربوريشن"، التي تتولى المقاصة والتسوية لنحو 15 تريليون دولار من معاملات الأوراق المالية الأميركية يومياً، أول معاملات فعلية باستخدام أوراق مالية مرمزة في يوليو/تموز، وتخطط لإطلاق الخدمة في أكتوبر/تشرين الأول.
كما أطلقت "بلاك روك"، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، منتجَين مرمّزَين لسوق النقد خلال أغسطس/آب الجاري. وتكمن أهمية هذه التحركات بالنسبة إلى البنوك في أن انتشار الأسهم والسندات والصناديق المرمزة يحتاج في المقابل إلى أموال يمكن استخدامها لتسوية هذه المعاملات على الشبكات نفسها. وهنا يمكن أن تصبح الودائع المرمّزَة حلقة تربط الأموال الموجودة داخل البنوك بالأصول المالية التي يجري نقلها إلى البلوك تشين.
ففي المعاملة التقليدية، قد يقوم الوسيط وغرفة المقاصة وأمين الحفظ والبنك بتحديث أنظمة منفصلة، ثم تجري مطابقة السجلات للتأكد من توافقها، أما عندما تكون الورقة المالية والأموال المستخدمة لشرائها مسجلة على أنظمة متوافقة، فيمكن تنفيذ جانبي المعاملة في الوقت نفسه، بحيث يحصل المشتري على الأصل بالتزامن مع حصول البائع على الأموال.
سوق بـ5.5 تريليونات دولار
ويأتي سباق البنوك وسط توقعات بنمو كبير في سوق الأصول المرمزة خلال السنوات المقبلة. ويقدر "سيتي" أن تصل قيمة الأوراق المالية المرمزة إلى نحو 5.5 تريليونات دولار بحلول عام 2030، بينما تقدر مجموعة "بوسطن كونسلتينغ غروب" وبورصة الأوراق المالية الرقمية "ADDX" السوق المحتملة للأصول غير السائلة المرمزة بنحو 16.1 تريليون دولار. ولا يقيس الرقمان السوق نفسها، لذلك لا يمكن جمعهما باعتبارهما تقديراً واحداً لحجم قطاع الترميز، لكنهما يعكسان حجم الرهان على انتقال أجزاء أكبر من النظام المالي إلى هذه التكنولوجيا.
ولا تزال السوق الحالية أصغر بكثير من هذه التوقعات. فحتى 6 أغسطس/آب، رصدت منصة البيانات "RWA.xyz" نحو 37.7 مليار دولار من الأصول المرمزة الموزعة، باستثناء مئات المليارات من الدولارات الموجودة في العملات المستقرة. وتستحوذ منتجات الخزانة الأميركية على 16.1 مليار دولار، بما يزيد على 40% من إجمالي الأصول المرمزة التي ترصدها المنصة. وتتصدر أربعة منتجات نحو 60% من هذه الفئة، بقيادة صندوق سوق النقد المرمز "USYC" التابع لـ"سيركل" بقيمة 3 مليارات دولار، يليه صندوق "BUIDL" التابع لـ"بلاك روك" بقيمة 2.7 مليار دولار. ويأتي منتج "USDY" التابع لـ"أوندو فاينانس" بقيمة 2.1 مليار دولار، ثم "iBENJI" التابع لـ"فرانكلين تمبلتون" بقيمة 1.7 مليار دولار. وعبر جميع فئات الأصول، تصنف "RWA.xyz" شركة "سيكيوريتايز" أكبر منصة للترميز، بأصول تبلغ قيمتها 4.9 مليارات دولار موزعة على 24 منتجاً، بحسب "فوربس".
أكبر منتجات الخزانة الأميركية المرمزة
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي
وأشارت المجلة إلى أنّ توسع البنوك تزامن مع وضوح أكبر في القواعد التنظيمية الأميركية المتعلقة بالأصول المرمزة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، سمح موظفو هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لشركة "ديبوزيتوري تراست كومباني" بتشغيل برنامج تجريبي للترميز لمدة ثلاث سنوات. وفي الشهر التالي، شرحت ثلاث إدارات في الهيئة الفروق القانونية بين الرموز التي تصدرها الشركات، والرموز المدعومة بأوراق مالية يحتفظ بها أمناء حفظ، والمنتجات الاصطناعية التي تتتبع سعر الأصل دون أن تمثل ملكيته.
وفي مارس/آذار، وافقت الهيئة على قواعد لبورصة "ناسداك" تسمح بتداول أوراق مالية مرمزة مؤهلة إلى جانب نظيراتها التقليدية خلال البرنامج التجريبي، كما أوضحت الجهات التنظيمية المصرفية الفيدرالية أنّ البنك لا يحتاج عموماً إلى الاحتفاظ برأس مال إضافي لمجرد تسجيل ورقة مالية على البلوك تشين عندما تمنح النسخة المرمزة الحقوق القانونية نفسها التي تمنحها الورقة المالية التقليدية.
تحديات لم تختفِ
ولا تعني الودائع المرمزة أن جميع مشكلات الدفع والتسوية ستختفي، إذ يمكن أن تؤدي التسوية الفورية إلى زيادة احتياجات الشركات إلى السيولة. وتستطيع المؤسسات حالياً مقاصة معاملات يوم كامل بعضها مقابل بعض ثم نقل صافي الفرق فقط، بينما قد تتطلب تسوية كل صفقة بصورة منفردة تمويل كل واحدة منها بالكامل. كما لا يضمن استخدام البلوك تشين وجود سوق مالية موحدة، إذ يمكن أن توجد نسخ مختلفة من الأصل نفسه تحمل حقوقاً قانونية مختلفة وتتداول في أسواق منفصلة، وفق المجلة.
وتظل قابلية نقل الودائع المرمزة بين البنوك إحدى أهم العقبات أمام انتشارها، وهو ما يفسر تحرك البنوك الكبرى لبناء شبكة مشتركة بدلاً من استمرار كل مؤسسة في تشغيل نظام منفصل. ومع انضمام "ويلز فارغو" إلى "جيه بي مورغان" و"سيتي غروب"، لم يعد السؤال بالنسبة إلى البنوك الكبرى يتعلق بإمكانية استخدام البلوك تشين في النظام المصرفي بقدر ما يتعلق بكيفية استخدامه من دون خسارة الودائع والعملاء لمصلحة بدائل رقمية خارج شبكاتها.
وبالنسبة إلى العملاء، سيظهر التأثير أولاً لدى الشركات والمؤسسات الكبرى، من خلال إمكانية تحريك السيولة وتسوية بعض المعاملات على مدار الساعة. أما انتقال الودائع المرمزة إلى الاستخدام المصرفي اليومي على نطاق واسع، فسيعتمد على قدرة البنوك على ربط شبكاتها ببعضها، وتوسيع الاستخدام خارج المؤسسات، وإثبات أن التقنية توفر مزايا تتجاوز ما تقدمه أنظمة الدفع الحالية.
العربي الجديد
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=126&id=206875