بعد الحكم غيابيا بالإعدام.. كيف يمكن لدمشق ملاحقة بشار الأسد ورموز نظامه؟
12/08/2026





سيرياستيبس 

فتحت الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق عدد من أبرز رموز النظام المخلوع، وفي مقدمتهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، باباً واسعاً من الأسئلة عن إمكانية تنفيذ هذه الأحكام خارج الأراضي السورية.
 فقد أصدرت المحكمة، أمس الثلاثاء، أحكاماً بالإعدام حضورياً بحق المتهم عاطف نجيب، وغيابياً بحق عدد من المتهمين الفارين، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد، إضافة إلى فهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن عيوش، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي، بعد إدانتهم بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، في حين سقطت دعوى الحق العام بحق محمد أيمن عيوش تبعاً لوفاته.
وفي حلقة من برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، ناقش الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية بسام طبلية، والباحث في شؤون الأمن الدولي رامي عبد الحق، الأبعاد القانونية والسياسية للأحكام، وإمكانية ملاحقة المحكومين خارج سوريا، ولا سيما بشار الأسد الموجود في روسيا، وما إذا كان بإمكان دمشق اللجوء إلى "الإنتربول" أو طلب تسليم المطلوبين من الدول التي يقيمون فيها.

ماذا تعني الأحكام الغيابية قانونياً؟
يرى الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية بسام طبلية أن صدور الأحكام الغيابية لا يعني انتهاء المسار القضائي، بل يتيح للقضاء السوري مواصلة الإجراءات القانونية بحق المتهمين الذين لم يمثلوا أمام المحكمة. ويوضح أن الحكم يمكن أن يصبح قابلاً للطعن عندما يمثل المحكوم عليه أمام القضاء أو يسلم نفسه، وفقاً للإجراءات القانونية المعمول بها.
وبحسب طبلية، فإن الخطوة التالية يمكن أن تتمثل في طلب إصدار نشرات حمراء عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول"، بما يسمح للدول الأعضاء بالتعامل مع المطلوبين وفق قوانينها الوطنية والاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها. إلا أن وجود نشرة حمراء لا يعني تلقائياً تسليم الشخص، إذ تملك الدولة التي يوجد فيها المطلوب صلاحية النظر في الطلب والملف القضائي والأدلة والاتهامات الموجهة إليه.
ويشير طبلية إلى أن الدول الأوروبية، على سبيل المثال، قد تنظر في طبيعة القضية، وما إذا كانت ذات طابع سياسي أو تستند إلى أدلة جنائية، فضلاً عن مدى توافق الحكم والعقوبة مع معايير حقوق الإنسان المعمول بها لديها.
هل تستطيع دمشق ملاحقتهم عبر "الإنتربول"؟
يرى الباحث في شؤون الأمن الدولي رامي عبد الحق أن النيابة العامة والقضاء السوري يستطيعان، من حيث المبدأ، رفع طلبات إلى "الإنتربول" لملاحقة بشار الأسد وماهر الأسد وبقية المطلوبين. ويقول إن النشرات الحمراء يمكن أن تتيح ملاحقتهم وتوقيفهم في حال دخلوا أو مروا عبر دول أعضاء في المنظمة.
لكن عبد الحق أشار إلى أنه لا يملك معلومات مؤكدة بشأن ما إذا كانت الحكومة السورية قد رفعت بالفعل طلبات إلى "الإنتربول" لتوقيف وتسليم المطلوبين، معتبراً أن الأحكام الصادرة تمنح القضاء السوري أساساً قانونياً للمطالبة بهم، ولا سيما في ضوء الاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وتبرز هنا مسألة أساسية، وهي أن النشرة الحمراء ليست حكماً دولياً ملزماً بتسليم المطلوب، وإنما آلية لتعميم طلبات الملاحقة والتوقيف وفق الأطر القانونية للدول المعنية. وبالتالي فإن قدرة دمشق على الوصول إلى المطلوبين ستبقى مرتبطة بمكان وجود كل منهم، والقوانين التي تحكم الدولة المضيفة، وطبيعة الاتهامات والأدلة المقدمة.

بشار الأسد في روسيا.. القانون أم السياسة؟
تبقى روسيا الحالة الأكثر تعقيداً، نظراً إلى وجود بشار الأسد فيها، بحسب ما ورد في النقاش التلفزيوني. ويقول طبلية إن دمشق لا تملك، في الوقت الراهن، ضمانة بأن تؤدي المطالبة القانونية إلى تسليم الأسد، حتى في حال وجود اسمه على قائمة المطلوبين أو صدور نشرة حمراء بحقه.
ويعزو طبلية ذلك إلى أن العلاقة بين دمشق وموسكو لا تحكمها الاعتبارات القانونية وحدها، بل تتداخل فيها المصالح السياسية والاستراتيجية. ويرى أن المطالبة بتسليم الأسد قد تكون حساسة في المرحلة الراهنة، وأن دمشق قد تحتاج إلى اختيار التوقيت المناسب، وربما إدراج ملفه ضمن تفاهمات أو صفقات سياسية أوسع بين البلدين.
ويتفق عبد الحق مع أن المسألة لا تتوقف على الجانب القضائي، مشيراً إلى عدم وجود اتفاق لتسليم المطلوبين بين سوريا وروسيا شبيه بالاتفاقات القائمة بين بعض الدول الأخرى. كما يرى أن الدولة المضيفة قد توفر حماية للمطلوبين استناداً إلى قوانينها الوطنية أو اعتبارات سيادية، ما يجعل تنفيذ الحكم داخل الأراضي الروسية أمراً شديد التعقيد.
وبهذا المعنى، فإن الحكم القضائي يفتح الباب أمام المطالبة، لكنه لا يضمن وحده عملية التسليم. فبين الحكم الصادر في دمشق وإمكانية تنفيذه في موسكو مسافة تتداخل فيها القواعد القانونية مع المصالح السياسية وحسابات الدول.
ماذا يحدث إذا أُلقي القبض على أحد المحكومين؟
طرح البرنامج أيضاً سؤالاً عن مصير المحكوم عليه غيابياً في حال توقيفه أو تسليمه إلى سوريا. ويوضح طبلية أن ضمانات المحاكمة العادلة تمثل عاملاً أساسياً في عمليات التسليم، مشيراً إلى أن الدول الأوروبية، على سبيل المثال، قد تشترط ضمانات تتعلق بحق المتهم في الدفاع عن نفسه وإجراء محاكمة عادلة.
وبحسب طبلية، فإن المحاكمة الغيابية قد لا تكون كافية في بعض الأنظمة القانونية، خصوصاً عندما لا تتاح للمتهم فرصة الحضور والدفاع عن نفسه أمام المحكمة، ولذلك قد يصبح من الضروري إعادة محاكمته حضورياً بعد توقيفه أو تسليمه.
كما يبرز ملف عقوبة الإعدام باعتباره أحد أبرز العوائق أمام التسليم. فالدول التي لا تطبق عقوبة الإعدام، أو التي تمنع تسليم الأشخاص إلى دول قد يواجهون فيها هذه العقوبة، قد تطلب ضمانات بعدم تنفيذ حكم الإعدام. وهذا الأمر يمكن أن يجعل أي طلب تسليم مرتبطاً ليس فقط بالحكم القضائي السوري، وإنما أيضاً بالضمانات التي يمكن أن تقدمها دمشق بشأن العقوبة والإجراءات القضائية اللاحقة.
ويرى طبلية أن هذه المسألة قد تكون أكثر حساسية في التعامل مع الدول الأوروبية، التي تضع شروطاً صارمة تتعلق بحقوق المتهم والمحاكمة العادلة وعقوبة الإعدام.


من ملاحقة الأفراد إلى العدالة الانتقالية
لم يتوقف النقاش في برنامج "سوريا اليوم" عند مسألة تسليم المطلوبين، بل امتد إلى طبيعة العدالة التي تحتاج إليها سوريا بعد سقوط النظام السابق، وما إذا كانت المحاكمات الفردية تكفي لتحقيق العدالة الانتقالية.
ويرى رامي عبد الحق أن سوريا لا تمتلك تجربة سابقة متكاملة في مجال العدالة الانتقالية، وأن الاستفادة من تجارب دول أخرى، مثل تجربة جنوب أفريقيا وغيرها، يمكن أن تساعد في بناء مسار أكثر شمولاً. ويؤكد أن العدالة الانتقالية لا تعني مجرد إجراءات قضائية أمام المحاكم، وإنما تحتاج إلى خبرات وآليات متخصصة ومعايير واضحة تتعلق بالشفافية والمحاكمة العادلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويحذر عبد الحق من أن يتحول مسار العدالة إلى ما وصفه بـ"العدالة الانتقامية" بدلاً من العدالة الانتقالية، مشدداً على ضرورة وجود إطار واضح يحدد المسؤوليات وآليات المحاسبة.
أما بسام طبلية فيؤكد ضرورة أن يستند مسار العدالة إلى القانون الدولي والقانون الوطني في آن واحد، مع مراعاة السيادة الوطنية والمصلحة السورية. ويرى أن المطالبات الدولية يمكن أن تتوسع باستمرار، ولذلك تحتاج دمشق إلى وضع مسار قانوني واضح يمكن الالتزام به، مع عدم إغفال المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وفي المحصلة، تبدو الأحكام الغيابية بحق بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما خطوة قضائية تتيح لدمشق فتح مسارات جديدة لملاحقتهم، سواء عبر القنوات القضائية الثنائية أو من خلال "الإنتربول". لكن تحويل هذه الأحكام إلى عمليات توقيف وتسليم فعلية سيبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز القضاء، في مقدمتها قوانين الدول التي يقيم فيها المطلوبون، وعقوبة الإعدام، وضمانات المحاكمة العادلة، والأهم من ذلك الحسابات السياسية للدول المضيفة.
أما في حالة بشار الأسد تحديداً، فإن وجوده في روسيا يجعل المسألة أكثر تعقيداً، إذ لا يبدو أن الحكم القضائي وحده كافٍ لضمان تسليمه. وفي ظل غياب اتفاق واضح بين دمشق وموسكو بشأن تسليم المطلوبين، قد تتحول القضية إلى ملف تفاوضي طويل الأمد، تتقاطع فيه العدالة مع المصالح السياسية والاستراتيجية.
وبينما تسعى سوريا إلى محاسبة رموز النظام السابق، يبقى التحدي الأكبر هو بناء مسار للعدالة الانتقالية يجمع بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حقوق المتهمين، بحيث لا تقتصر العدالة على إصدار الأحكام، وإنما تمتد إلى وضع آلية قابلة للتنفيذ داخلياً وخارجياً، وتحظى في الوقت نفسه بالشرعية القانونية اللازمة أمام الدول والمجتمع الدولي.

 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=110&id=206874

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc