كم سيّارة في دمشق؟
12/08/2026




سيرياستيبس :

كتب معن البياري 

يقول محدّثنا الشاعر السوري، في جلسة تجمعنا، نحن بعض الأصحاب، وثلاثة منّا غير سوريين، إن ثمة أربعة ملايين سيارة حالياً في دمشق. يستهول صديقٌ معنا، وهو سوري وخبير في السكان والإحصاءات والاقتصاد، هذا العدد، ويعقّب بأن عدد المركبات في المدينة كبير جدّاً، ويكاد لا يُطاق، غير أنه لا يصل إلى هذا العدد الذي ليس في وسع دمشق أن تحتمله. ولم نأت، نحن الضيوف الزائرون ومعنا صاحبانا السوريان، على هذا الأمر في دردشتنا التي كانت تشرّق وتغرّب، وإن أحرزت المشاركات في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي الأكثر فيها، فثلاثة من الجالسين المتحدّثين في بهو الفندق ضيوف فيه، لم نأتِ عليه إلا لشعور الزائر والعابر والمقيم في المدينة بأن "مشكلةً" ليست هيّنةً في سورية اسمها الكثرة الظاهرة للسيارات والمركبات في شوارع دمشق وميادينها وحواريها وزقاقها، وفي قلبها وأطرافها، مع ما تُحدثه هذه الحالة من اختناقاتٍ مروريةٍ، حادّة غالبا، ومن ضغطٍ على الأعصاب، وتلوّثٍ واضح، وهدر كبير لأوقات الناس. وإذا ما أضفنا إلى هذا المعطى، بأبعاده العامة، أن الناظر في المشهد العام يلحظ، بيُسر، أعداداً مهولةً للسيارات الخاصة، وسيارات الأجرة، وحافلات النقل الصغيرة، قديمة، وبعضها متهالك، وكثير منها قد يفرض عليك سؤالاً عن مدى احتمالها العمل بالهمّة البادية فيها وعليها.
لا يتوفر تعدادُ حديث ومحدّث لأعداد السيارات في دمشق، وليس الموضوع من شواغل ملحّة لدى صاحب هذه الكلمات. وفي العموم، ليست دمشق وحدها من مدن العالم تكتظّ فيها المركبات، وتعاني من الازدحام المروري، وتتقاطر إليها آلاف السيارات كل صباح من محافظات قريبة وبعيدة، فالقاهرة واسطنبول وعمّان وغيرها تعاني، بمقدارٍ أو بآخر، من هذا كله وغيره، بل صارت الاختناقات المرورية من ظواهر يومية في مدن وعواصم عربية خليجية، على الرغم من البنية التحتية المتقدّمة للطرق والشوارع، والتنظيم المتقن للمرور، وحداثة السيارات وجدّتها. ما يسوق إلى أن يستهجن من أراد أن يستهجن تعيين الكلام هنا عن دمشق. والتعقيب هنا إن ما قد يسوّغ خصوصية الإتيان على عاصمة الأمويين هنا إن نظام السارين والاستبداد في سورية لم يُشغل نفسه عقوداً بتنظيف دمشق وتشجيرها، بتطوير الطرق وتحديثها، بتحسين خدمات النقل العام، ببناء جسورٍ وأنفاق، بتثوير خطةٍ كبرى بعد ورشات خبراء ومختصّين لإنقاذ دمشق من هذا الحال. وليس في استخدام مفردة "إنقاذ" هنا تزيّداً أو غلوّاًَ.
لم يستشعر نظام الأسد في نفسه مسؤولياتٍ لديه في هذا الأمر. وهنا صحيحٌ كل الصحّة قول من زاروا دمشق أخيراً، بعد انقطاع عنها ثلاثة عقود أو أقل، إن شيئا فيها لم يختلف، بمعنى إن لا جديد جرت إضافتُه فيها، أو تحسينُه، أو زيد فيه أو عليه، إذ لم يُحدِث النظام الساقط تطويراَ أو تحسيناً يُعتدّ به، أو نفضاً لكثير يحتاج إلى نفض في المدينة. ومع تزايد مضطرد في مركزية العاصمة في البلد، وزيادة القادمين إليها، للإقامة أو الزيارة أو قضاء الأشغال، مع تضاعف الضغط على مسارب الحركة المرورية، فإن أصحاب المسؤوليات، إدارة وتخطيطاً وتنفيذاً، لم يكترثوا ولم يلتفتوا إلى ما توجبه مستجداتٌ كثيرة تطرأ على العاصمة من حلولٍ ومبادراتٍ من شأنهما تيسير شؤون الناس فيها، ومن ذلك النقل والتنقل. 
وثمّة في هذه الإشارة كثيرٌ مما يُثقل كثيراً على أهل القرار في محافظة دمشق، وعلى عموم السلطة ودواليبها في سورية، من مسؤولياتٍ كبرى في إسعاف دمشق من كثير تكابده، ومنه كل هذه المركبات الكثيرة، ووسائل النقل العام البائسة، مع ما يلزم لهذا من إمكاناتٍ وموارد مالية كبرى، وسورية في راهنها الصعب، والانتقالي الذي تتزاحم فيه الأولويات، لا تتوفّر على كل ما يلزمها لحل جبالٍ من المشكلات والقضايا، غير أن هذا لا يعني أن يقول محبٌّ لدمشق ما في حشاياه، مدفوعاً بفائض الوجد تجاه هذه العاصمة العربية الأخّاذة في صناعة الألفة والدفء مع كل عابر فيها وزائر لها، طرأ إلى باله، وهو يجول في الشام، سؤال: كم سيارة في دمشق؟.
العربي الجديد



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=133&id=206871

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc