لماذا تدخلت أمريكا لدعم الين الياباني؟ وأين الذهب في الإجابة ؟
11/08/2026
سيرياستيبس
كتب المحلل المالي عبدالحمد القتلان :
في بداية أغسطس 2026، سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سبب تدخل الولايات المتحدة لدعم اليابان وعملتها المحلية، الين. فأجاب بأن العلاقة بين البلدين قوية، وأن اليابان كانت بحاجة إلى المساعدة بسبب ضعف عملتها، مشيرًا أيضًا إلى أن اليابان كانت دائمًا دولة كريمة في تعاملها مع الولايات المتحدة، قبل أن يمزح بشأن هجوم بيرل هاربر خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن خلف هذه الإجابة البسيطة توجد قصة اقتصادية أكثر تعقيدًا.
فالتدخل الأمريكي لم يكن مجرد خطوة لمساعدة حليف أو تعبيرًا عن الصداقة بين واشنطن وطوكيو. المشكلة أن استمرار انهيار الين كان يمكن أن يضر بالاقتصاد الياباني بشدة، لكن تداعياته كانت قادرة أيضًا على الوصول إلى الاقتصاد والأسواق الأمريكية. ولهذا أصبحت مساعدة اليابان في دعم الين، في جانب مهم منها، وسيلة لحماية المصالح الأمريكية نفسها.
خلال الأشهر الماضية، تعرض الين الياباني لضغوط قوية أمام الدولار. وفي أواخر أبريل، وصل سعر الدولار إلى أكثر من 160 ينًا، وهو مستوى شديد الانخفاض للعملة اليابانية.
الحكومة اليابانية كانت ترى أن جزءًا من المشكلة ناتج عن المضاربات في الأسواق. فالمستثمرون كانوا يراهنون على استمرار انخفاض الين، ومن أشهر الطرق المستخدمة في ذلك ما يعرف بالبيع على المكشوف
الفكرة بسيطة: يقترض المستثمر الين، ثم يبيعه ويحوّل قيمته إلى دولار. وبعد ذلك ينتظر انخفاض الين. فإذا انخفضت قيمته بالفعل، يستطيع شراء الين مرة أخرى بسعر أقل، وإعادة المبلغ الذي اقترضه، والاحتفاظ بالفارق كربح.
ومع دخول أعداد كبيرة من المستثمرين في هذه العملية، يزداد المعروض من الين ويزداد الطلب على الدولار، وبالتالي يتعرض الين لمزيد من الضغط.
الحكومة اليابانية لم تكتفِ بالتحذير من المضاربين، بل تدخلت بالفعل في سوق العملات. وخلال الفترة بين أواخر أبريل وأواخر مايو 2026، أنفقت اليابان نحو 11.7 تريليون ين، أي ما يقارب 74 مليار دولار، للدفاع عن عملتها، وهو أكبر مبلغ تنفقه اليابان في شهر واحد لهذا الغرض.
ساعد التدخل الين لفترة قصيرة، لكنه لم يحل المشكلة بشكل دائم. فعاد الين إلى التراجع، ووصل خلال يوليو إلى مستويات تقترب من 164 ينًا مقابل الدولار، وهو مستوى لم تشهده العملة اليابانية منذ عقود.
السبب الأساسي يرتبط بالفارق الكبير بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه أسعار الفائدة اليابانية منخفضة جدًا، كانت الفائدة الأمريكية أعلى بكثير. وهذا خلق حافزًا قويًا للمستثمرين لاستخدام ما يسمى تجارة المناقلة أو Carry Trade.
فكرة هذه التجارة بسيطة: يقترض المستثمر أموالًا بعملة ذات فائدة منخفضة، مثل الين، ثم يحولها إلى عملة أخرى مثل الدولار ويستثمرها في أصول تحقق عائدًا أعلى.
كلما كان الفرق بين الفائدتين أكبر، زادت جاذبية هذه العملية. وبالتالي، كان المستثمر يقترض الين، ويبيعه مقابل الدولار، ثم يستثمر الدولار في السندات أو الأسهم الأمريكية. ومع قيام أعداد ضخمة من المستثمرين بهذه العملية، يصبح هناك بيع مستمر للين وشراء للدولار، وهو ما يؤدي إلى ضعف العملة اليابانية.
وهناك عامل آخر زاد الضغط على الين، وهو ارتفاع تكاليف الطاقة. فاليابان تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة من الخارج، وهذه الواردات يتم تسديد جزء كبير منها بالدولار. لذلك عندما ترتفع أسعار الطاقة، تحتاج الشركات اليابانية إلى شراء المزيد من الدولارات لتسديد قيمة الواردات.
النتيجة هي زيادة الطلب على الدولار وزيادة الضغط على الين.
ومع استمرار انخفاض العملة، ترتفع تكلفة السلع المستوردة، وهو ما يؤدي إلى ما يسمى التضخم المستورد. وهذا يرفع تكلفة المعيشة على الأسر اليابانية، كما يزيد تكاليف الإنتاج على الشركات.
إذا لم تستطع الشركات تمرير هذه الزيادة في التكاليف إلى المستهلكين، فإن هوامش أرباحها تتقلص، وقد تجد بعض الشركات نفسها غير قادرة على الاستمرار.
لهذا لم يعد تراجع الين مجرد مشكلة في سوق العملات، بل أصبح تهديدًا للاستقرار الاقتصادي الياباني.
ومع استمرار تراجع الين، كان أمام اليابان خياران رئيسيان. الأول هو رفع أسعار الفائدة بقوة. رفع الفائدة سيجعل الاقتراض بالين أكثر تكلفة، وبالتالي يقلل جاذبية تجارة المناقلة، وقد يدفع المستثمرين إلى إغلاق مراكزهم وبيع الأصول التي اشتروها بالدولار ثم شراء الين مرة أخرى لسداد قروضهم.
لكن المشكلة أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى عمليات بيع واسعة في الأسواق الأمريكية.
فالكثير من المستثمرين العالميين استخدموا الين منخفض التكلفة لتمويل استثماراتهم في الأسهم والسندات الأمريكية، خصوصًا أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ولو قرر عدد كبير منهم إغلاق هذه الصفقات في الوقت نفسه، فقد نشهد ارتفاعًا حادًا في الطلب على الين، وفي المقابل عمليات بيع كبيرة للأسهم والسندات الأمريكية، وهو ما يمكن أن يسبب اضطرابًا قويًا في الأسواق.
أما الحل الثاني فهو أن تتدخل الحكومة اليابانية مباشرة في سوق العملات، فتبيع جزءًا من أصولها الدولارية وتستخدم الأموال لشراء الين. لكن هذا الحل يحمل مشكلة أخرى بالنسبة للولايات المتحدة.
اليابان من أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية، وتملك أكثر من تريليون دولار منها. وإذا اضطرت إلى بيع كمية كبيرة من هذه السندات للحصول على الدولار ثم استخدامه في دعم الين، فإن زيادة المعروض من السندات في السوق قد تؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع العائد عليها.
ارتفاع عوائد سندات الخزانة يعني أن الحكومة الأمريكية ستضطر إلى دفع فائدة أكبر عندما تقترض، وهذا أمر حساس جدًا بالنسبة لواشنطن، خصوصًا مع ضخامة الدين العام الأمريكي وارتفاع تكلفة خدمته.
وهنا تظهر المفارقة: أمريكا تريد أن تساعد اليابان على إنقاذ الين، لأنها في الوقت نفسه تريد منع اليابان من اتخاذ إجراءات قد تضر بالاقتصاد الأمريكي.
في نهاية يوليو، ظهرت مؤشرات على أن واشنطن تستعد للتدخل في سوق الين. وتداولت وسائل الإعلام صورة لوثيقة من اجتماع للإدارة الأمريكية في كامب ديفيد، تضمنت تعليمات مرتبطة بشراء الين بمبلغ يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار.
بعد ذلك، أبلغت وزارة الخزانة الأمريكية عددًا من البنوك الأمريكية باحتمال تدخلها في سوق الين وطلبت منها الاستعداد.
وفي 31 يوليو، أكد وزير الخزانة الأمريكي أن الولايات المتحدة تدخلت بالفعل إلى جانب اليابان لدعم العملة اليابانية.
لكن اللافت في العملية أن الولايات المتحدة لم تستخدم الدولار مباشرة.
بحسب التقارير، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ببيع اليورو وشراء الين نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية.
والسبب في عدم بيع الدولار واضح: واشنطن لم تكن تريد إضعاف عملتها في الوقت الذي تحاول فيه دعم الين.
لذلك استخدمت الولايات المتحدة اليورو الموجود ضمن احتياطيات صندوق تثبيت سعر الصرف التابع لوزارة الخزانة. وبهذه الطريقة تستطيع واشنطن شراء الين ودعمه من دون زيادة المعروض من الدولار في السوق.
كما أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن بيع اليورو لم يكن يستهدف العملة الأوروبية، وأن المشكلة التي كانت تستدعي التدخل، من وجهة نظرها، هي الانخفاض الحاد وغير المبرر في قيمة الين.
أهمية هذه الخطوة لا تتعلق بحجم الأموال فقط ، وإنما بطبيعة التعاون نفسه. فالتدخل الأمريكي الياباني المشترك لدعم الين كان الأول من نوعه منذ نحو ثلاثة عقود، وتحديدًا منذ عام 1998.
وقبل التدخل الأمريكي بيوم، أنفقت اليابان ما يقارب 53 مليار دولار للدفاع عن عملتها
وهنا استخدمت اليابان آلية مهمة توفرها الولايات المتحدة منذ أزمة كورونا، تسمح للبنوك المركزية الأجنبية بالحصول على الدولار مقابل تقديم سندات الخزانة الأمريكية كضمان، بدلًا من بيع هذه السندات في السوق.
هذه الآلية تساعد اليابان على الحصول على السيولة الدولارية التي تحتاج إليها من دون الاضطرار إلى بيع كميات ضخمة من سندات الخزانة الأمريكية، وهو أمر يخدم الطرفين.
القصة كلها يمكن اختصارها في نقطة واحدة: انهيار الين ليس مشكلة يابانية فقط.
إذا استمر الين في التراجع، فقد تضطر اليابان إلى رفع الفائدة بشكل حاد أو بيع جزء كبير من أصولها الأمريكية. وفي الحالتين يمكن أن تتعرض الأسواق الأمريكية لضغوط قوية.
رفع الفائدة اليابانية قد يؤدي إلى تفكيك تجارة المناقلة، وبالتالي دفع المستثمرين إلى بيع الأسهم والسندات الأمريكية والعودة إلى الين.
أما بيع اليابان لكميات ضخمة من سندات الخزانة الأمريكية فقد يرفع عوائد السندات ويزيد تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية.
لهذا فإن واشنطن لديها مصلحة مباشرة في منع أزمة الين من الخروج عن السيطرة.
ورغم نجاح التدخل المشترك في تهدئة الأسواق ورفع قيمة الين مؤقتًا، لا يوجد ما يضمن أن المشكلة انتهت. فالتدخل وحده لا يعالج الأسباب الأساسية للأزمة، وعلى رأسها الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية واليابانية، وتجارة المناقلة، وارتفاع تكاليف الطاقة.
إذا عاد الين إلى التراجع، فمن المرجح أن تكون الخطوة التالية لليابان هي استخدام جزء من احتياطياتها من العملات الأجنبية لتوفير السيولة الدولارية والتدخل مجددًا في سوق الصرف، مع إمكانية الاستفادة من حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية كضمان للحصول على الدولار بدلًا من بيعها مباشرة في السوق.
أما من ناحية الأسواق العالمية، فإذا نجح التدخل في تثبيت الين، واستقرت عوائد سندات الخزانة الأمريكية مع بقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستوياتها الحالية، فقد ينعكس ذلك تدريجيًا على الذهب.
فالذهب يستفيد عادةً من انخفاض عوائد الأصول الأمريكية ومن ارتفاع المخاوف في الأسواق، بينما قد يتعرض لضغوط عندما تستقر عوائد السندات وتبقى الفائدة الأمريكية مرتفعة نسبيًا. لذلك، إذا استقرت أسواق السندات وهدأت المخاوف المرتبطة بالين، فقد نشهد تصحيحًا أو انخفاضًا في أسعار الذهب عالميًا، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع قوة الدولار.
في النهاية، أزمة الين لم تعد شأنًا يابانيًا داخليًا. فاستقرار العملة اليابانية أصبح مرتبطًا بالأسواق الأمريكية، وأسعار الفائدة والسندات، وحتى باتجاه أسعار الذهب عالميًا. وإذا نجحت واشنطن وطوكيو في تثبيت الين وتهدئة الأسواق، فقد نكون أمام مرحلة أكثر هدوءًا في الأسواق العالمية، مع احتمال تعرض الذهب لضغوط هبوطية بعد موجة الصعود التي شهدها.
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=131&id=206853