فرنسا في سوريا.. نفوذ طويل الأجل في القطاعات الحيوية
27/07/2026





سيرياستيبس 


غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق في السابع من تموز الجاري بعدما ثبّت لفرنسا موقعاً أولياً في ملفات الطاقة والنقل والمصارف وإعادة الإعمار. وقد كشفت الاتفاقات التي رافقت الزيارة عن محاولة فرنسية لربط الانفتاح على دمشق بمصالح طويلة الأجل في سوريا ولبنان وشرق المتوسط، في حين يبقى انتقال هذه التفاهمات إلى عقود نافذة رهناً بتوافر التمويل واستقرار البيئة الأمنية والقانونية.

كذلك اختار ماكرون دمشق في السنة الأخيرة من ولايته ليثبت حضوراً فرنسياً داخل مرحلة تعيد رسم شبكة الشركاء الاقتصاديين والسياسيين لسوريا، فجمع في زيارته بين التواصل مع الرئيس أحمد الشرع وفتح الأبواب أمام شركات تعمل في الشحن والطاقة والخدمات المالية والبنية التحتية، وأعطى هذا الجمع الزيارة معناها الأساسي كمسعى فرنسي لحجز موقع داخل قطاعات تمنح أصحابها أثرًا ممتدًا في الاقتصاد السوري وصلاته الإقليمية.

وتكشف الزيارة مقدار ما تستطيع فرنسا تحويله من حضور سياسي إلى مصالح فعلية داخل سوريا، لأن قيمة ما أعلنه ماكرون ستقاس بقدرة الشركات الفرنسية على تنفيذ مشاريعها وبحجم التمويل الذي تستطيع باريس حشده وباستمرار العلاقة بعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل، في حين يحدد موقع سوريا بين العراق ولبنان وتركيا والبحر المتوسط مقدار ما تستطيع فرنسا استخلاصه من هذه العلاقة ضمن بيئة إقليمية تملك فيها قوى أخرى أدوات أوسع وأكثر مباشرة.

باريس ترسم مسار تعاون أوسع
وقال الباحث السياسي الفرنسي بيير مولني إن باريس تنظر إلى العلاقة مع دمشق ضمن سياسة أوروبية أوسع تتصل بإعادة تنظيم التعامل مع سوريا، موضحاً أن فرنسا تحاول التأثير في صياغة هذا المسار من خلال الجمع بين المبادرة الدبلوماسية والخبرة التي تملكها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وأضاف مولني خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن فرنسا تستطيع أداء دور يتجاوز حجم استثماراتها المباشرة عبر تسهيل وصول المؤسسات السورية إلى القنوات المالية الأوروبية والدولية والمساهمة في وضع الأطر التنظيمية التي تحتاجها الشركات الأجنبية، وهو ما يمنح باريس مساحة تأثير داخل مرحلة إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية السورية.

وأشار إلى أن لبنان يحتل موقعاً أساسياً في الحساب الفرنسي تجاه دمشق بسبب ترابط الحدود والأمن والتجارة واللاجئين بين البلدين، معتبراً أن باريس تحتاج إلى تفاهم مستقر مع دمشق لحماية مصالحها في لبنان وتقليص مصادر التوتر التي تؤثر في الساحة اللبنانية.

ورأى أن حدود الدور الفرنسي ستظهر في قدرة باريس على الحفاظ على خطابها المتعلق بتوسيع التعاون الاقتصادي مع دمشق، لأن السياسة الفرنسية قد تواجه رقابة داخلية على طبيعة العلاقة مع دمشق وعلى الشروط التي تحكم هذا الانفتاح.

اقتصاد يسبق النفوذ السياسي
وتصدرت مجموعة CMA CGM الحضور الاقتصادي الفرنسي عبر اتفاق يتعلق بخدمات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، بعد عقود سابقة شملت تشغيل ميناء اللاذقية مدة 30 عاماً وإدارة الميناءين الجافين في عدرا وحلب، بما يجمع المرفأ البحري والنقل البري والشحن الجوي ضمن شبكة لوجستية تمنح الشركة موقعاً مؤثراً في حركة السلع بين الساحل والداخل.

ويعكس اختيار قطاع النقل حساباً فرنسياً يرتبط بحاجة سوريا إلى إعادة وصل مرافئها بمدنها وحدودها قبل اتساع مشاريع الإعمار، كما يمنح تشغيل الموانئ والميناءين الجافين وخدمات الشحن الجوي الشركة الفرنسية حضوراً مبكراً في التجارة السورية وحركة مواد البناء والطاقة.


كذلك رافق باتريك بويانيه رئيس توتال إنرجيز ماكرون إلى دمشق وطرح دوراً سورياً في نقل النفط العراقي إلى المتوسط وتأمين مسارات إضافية للطاقة بعد الاضطرابات التي أصابت الملاحة عبر مضيق هرمز، وربط هذا الطرح الجغرافيا السورية بشبكات إقليمية تتجاوز احتياجات السوق المحلية وتمنح باريس سبباً اقتصادياً مباشراً للحضور في بلد يقع بين حقول العراق وموانئ المتوسط.

ويحتاج هذا التصور إلى استثمارات كبيرة في الأنابيب ومحطات الضخ والمرافئ وإلى تفاهمات عراقية سورية وضمانات أمنية وتمويل طويل الأجل، وهو ما يضع طرح توتال إنرجيز حتى الآن في إطار تحديد المصالح والفرص التي قد تسبق إعداد مشروع قابل للتنفيذ.

من الانفتاح السياسي إلى التعاون الاقتصادي
من جانبه، قال الكاتب المتخصص في السياسات الخارجية الفرنسية حميد بودن إن زيارة ماكرون استكملت مساراً بدأته باريس منذ استقبال الشرع ودعم إعادة فتح القنوات الأوروبية مع دمشق، موضحاً أن الإليزيه أراد منح هذا المسار قاعدة اقتصادية تنقل العلاقة من الاتصالات السياسية إلى برامج تعاون ترتبط بمؤسسات وشركات محددة.

وأضاف بودن خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن تركيز الزيارة على النقل والطاقة والمصارف يعكس رغبة فرنسية في اختيار قطاعات تمنح باريس دوراً قابلاً للاستمرار وتسمح لها بالمشاركة في إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية بين سوريا وأوروبا، من دون تحمّل العبء المالي الكامل لمشاريع الإعمار.

ورأى أن فرنسا ستعتمد على قدرتها على جمع الشركات والخبرة المؤسسية والاتصال بالمؤسسات المالية الدولية، في حين سيتوقف وزنها الفعلي على حجم التمويل الذي تستطيع استقطابه وعلى موقعها داخل التفاهمات التي تضم الولايات المتحدة وتركيا والدول الخليجية.

وكانت باريس ودمشق قد وقعتا خلال زيارة ماكرون اتفاقاً إطارياً للتعاون وتفاهمات في الصحة والطيران المدني والمصارف والمياه والطرق، كما أعلنت فرنسا مساعدة فنية للمصرف المركزي السوري ودعم الجهود الرامية إلى معالجة وضع سوريا لدى مجموعة العمل المالي وفتح قنوات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهو مسار يربط عقود الشركات بإعادة تأهيل المؤسسات التي تحتاجها الاستثمارات الأجنبية والتحويلات المصرفية وتمويل المشاريع.

وتمنح الجغرافيا السورية باريس صلة مباشرة بملفات شرق المتوسط عبر الساحل والموانئ والطاقة والحدود اللبنانية والقرب من تركيا وقبرص، ويستند الرهان الفرنسي إلى شركات تملك خبرة بحرية ونفطية وحضوراً عالمياً وقدرة على ربط سوريا بمشاريع تتصل بالعراق والأسواق الأوروبية.

كذلك يعتمد حجم الموقع الفرنسي على قدرة باريس على جمع الخبرة الفرنسية بالتمويل الخليجي والغطاء الأوروبي والتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة، فإعادة الإعمار السورية تحتاج إلى تحالفات مالية وسياسية تتجاوز موارد دولة أوروبية واحدة وتحتاج إلى استقرار يضمن العقود ويحمي المنشآت ويوضح قواعد الاستثمار والملكية والتقاضي.


 
تلفزيون سوريا 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=110&id=206646

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc