سيرياستيبس :
لم يكن إعلان الحكومة السورية عن دراسة لتنفيذ ممرات نقل دولية بنظام الرسوم مجرد خبر يتعلق بالبنية التحتية، بل كان مؤشراً على تحولٍ في التفكير الاقتصادي وإدارة المشاريع العامة خلال مرحلة إعادة الإعمار. فبعد سنواتٍ من الضغط على شبكات النقل وتقليص الميزانيات الحكومية، بدأت دمشق باستكشاف نماذج استثمارية تمكن من إنجاز مشاريع ضخمة دون الاعتماد كلياً على الأموال العامة. ومع ذلك، يثير هذا النهج عدة تساؤلات: هل تتجه سوريا فعلاً نحو شبكة طرق برسوم، كما هو شائع في العديد من دول العالم؟ ولماذا اختارت هذا النموذج تحديداً؟ هل هذه تجربة جديدة للبلاد أم أن جذورها تعود إلى ما قبل الحرب؟ والأهم من ذلك، هل يمكن أن تصبح الطرق ذات الرسوم محركاً اقتصادياً أم أنها ستضيف عبئاً جديداً على المواطنين وقطاع النقل؟
الطرق المأجورة ذات الرسوم… ماذا تعني عملياً؟
الطرق المأجورة هي طرق سريعة أو ممرات نقل حديثة يدفع مستخدموها رسوماً مقابل مستوى خدمة أعلى، سواء من حيث جودة الطريق أو سرعة السفر أو ميزات السلامة. لكن ماذا تعني عملياً؟
تختلف هذه الطرق عن الطرق العامة التقليدية في أنها لا تُموّل بالكامل من قِبل الحكومة. بل غالباً ما تُشغّلها شركات خاصة بموجب عقود طويلة الأجل، تتولى خلالها هذه الشركات مسؤولية الإنشاء والإدارة والصيانة، قبل أن تنقل ملكيتها في نهاية المطاف إلى الحكومة.
في معظم التجارب الدولية، لا يؤدي إنشاء الطرق برسوم مرور إلى إلغاء الطرق المجانية. يواجه مستخدمو الطرق خيارين، طريق مجاني بسرعة مخفضة أو طريق سريع برسوم ثابتة. وتشير تصريحات الحكومة إلى أن النموذج الأخير هو الأرجح للتطبيق في سوريا.
لماذا تتجه سوريا نحو هذا النموذج الآن؟
لا يمكن فصل هذا التوجه عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب. لقد لحقت أضرار جسيمة بشبكات الطرق، ويتطلب إعادة بنائها استثمارات بمليارات الدولارات. ويأتي هذا في وقت تعاني فيه المالية العامة من محدودية الموارد، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، وتعدد أولويات الخدمات. لذا، يبدو نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص خياراً يسمح بتنفيذ مشاريع ضخمة دون أن تتحمل الخزانة العامة التكلفة كاملةً منذ البداية.
يرى عدد من الاقتصاديين أن اللجوء إلى هذه الطرق، بدلاً من أن يعكس تغييراً في الفلسفة الاقتصادية الحكومية، وهو استجابة لواقع مالي جديد تعتمد فيه الحكومات حول العالم بشكل متزايد على شراكات الاستثمار لتمويل البنية التحتية.
اقرأ أيضاً: نظام BOT في حلب.. فرصة لإعادة تنشيط الاستثمار المحلي
ما هو نظام BOT الذي تتحدث عنه الحكومة؟
يقوم نظام BOT، أو “البناء والتشغيل والتحويل”، على فكرة بسيطة نسبياً. تقوم شركة خاصة بتمويل المشروع بالكامل، ثم تقوم ببنائه وتشغيله لفترة محددة، وتسترد تكاليفها وأرباحها من خلال الرسوم التي يدفعها المستخدمون. بعد انتهاء العقد، تنتقل ملكية المشروع بالكامل إلى الحكومة.
يعد هذا النموذج أحد أكثر أشكال الشراكة بين القطاعين العام والخاص انتشاراً في مشاريع الطرق والمطارات والموانئ ومحطات توليد الطاقة، حيث يُخفف العبء المالي على الحكومات ويمكنها من الاستفادة من خبرات الشركات الدولية في الإدارة والصيانة.
هل اعتمدت سوريا الطرق ذات الرسوم قبل الحرب؟
رغم أن فكرة الطرق السريعة ذات الرسوم تبدو جديدة في الخطاب الاقتصادي السوري، إلا أنها ليست جديدة تماماً. قبل عام 2011، طُحت عدة مشاريع طرق سريعة وفق نماذج استثمارية مماثلة، لا سيما تلك المتعلقة بالطرق الدولية التي تربط دمشق بحلب أو الحدود الأردنية. كما نوقشت آنذاك إمكانية مشاركة القطاع الخاص في تمويل بعض مشاريع النقل.
إلا أن معظم هذه المشاريع بقيت في مرحلة الدراسة أو التخطيط، ولم تتطور إلى شبكة طرق سريعة متكاملة برسوم. ويعود ذلك إما إلى وفرة ميزانية الحكومة آنذاك، أو إلى اختلاف أولويات الاستثمار. ثم اندلعت الحرب وأوقفت معظم المشاريع الكبرى. لذا، فإن ما يناقش اليوم ليس استمراراً لتجربة قائمة، بل محاولة جديدة لإحياء نموذج لم يُطبّق من قبل.
لماذا تبدو هذه الطرق أكثر جاذبية اليوم؟
هناك سبب يتعلق بالموقع الجغرافي أكثر من الطرق نفسها. تقع سوريا عند مفترق طرق يربط تركيا والأردن والعراق وشرق المتوسط، مما يمنحها موقعاً استراتيجياً للنقل الإقليمي. إذا تم إعادة تأهيل جزء من حركة المرور هذه في السنوات القادمة، فقد تصبح الطرق الحديثة مصدراً مستمراً للدخل من خلال رسوم المرور المفروضة على الشاحنات والبضائع، وليس فقط النقل الداخلي. لذلك، يرى بعض الخبراء أن المشروع استثمار في الموقع الجغرافي لسوريا، وليس مجرد مشروع للنقل الداخلي.
في حال بُنيت الطرق وفقاً للمعايير الحديثة، فقد تحقق مكاسب اقتصادية واسعة النطاق في آن واحد. إذ تقلل الطرق السريعة من أوقات السفر، وتخفض استهلاك الوقود، وتقلل من الأعطال الميكانيكية، وتخفض تكاليف النقل، مما يؤثر بدوره على أسعار السلع وتنافسية المنتجات. عادةً ما تتضمن مشاريع الطرق الكبيرة أكثر من مجرد رصف الطرق وبناء الجسور، تشمل هذه الطرق أيضاً مناطق لوجستية ومستودعات ومحطات خدمة ومراكز توزيع، مما يساهم في توليد نشاط اقتصادي جديد وفرص عمل. على الصعيد الإقليمي، يمكن لهذه الطرق أن تعزز قدرة سوريا على استعادة جزء من تجارة الترانزيت التي خسرتها خلال سنوات الحرب.
يبقى السؤال.. هل هناك مخاطر؟
على الرغم من الفوائد النظرية، فإن نجاح الطرق المأجورة ليس مضموناً. يحتاج المستثمرون الذين يستثمرون مئات الملايين من الدولارات إلى بيئة قانونية مستقرة، وضمانات واضحة، ولوائح شفافة، وإدارة قادرة على إنفاذ العقود وحمايتها. كذلك، قد يثني فرض رسوم مرتفعة العديد من المستخدمين عن الاستمرار في استخدام الطرق المجانية، مما يقلل من الجدوى الاقتصادية للمشروع.
من جهة أخرى، يخشى بعض المراقبين أن تصبح الرسوم عبئاً إضافياً على شركات النقل، خاصةً إذا لم تعوضها وفورات حقيقية في الوقت والمال. لذا، تعتمد معظم التجارب الناجحة على توفر بديل مجاني أو بأسعار معقولة، مما يجعل الطرق ذات الرسوم خياراً اقتصادياً جذاباً، بدلاً من كونها خدمة مفروضة.
هل تتجه سوريا فعلاً نحو تبني هذا النموذج؟
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الحكومة تسير في هذا الاتجاه، لكنها لا تزال في طور إعداد الدراسات الاقتصادية وجذب المستثمرين. لا يعني الإعلان عن دراسات جدوى محدثة أن التنفيذ بات وشيكاً. فالمشروع يتطلب استكمال الإطار القانوني، وتأمين التمويل، واختيار الشركات، وإبرام العقود – وهي خطوات قد تستغرق وقتاً قبل بدء التنفيذ الفعلي. لذا، فإن النقاش الدائر حالياً حول وجود آلية رسمية واضحة لاعتماد الطرق ذات الرسوم ليس واقعاً ملموساً بعد.
تظهر تجارب العديد من الدول أن نجاح ها النوع من الطرق لا يقتصر على كونها طرقاً حديثة فحسب، بل على كونها جزءاً من نظام اقتصادي متكامل يشمل الموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية والمعابر الحدودية. بالنسبة لسوريا، لن تحدد القيمة الحقيقية لهذه المشاريع بعدد الكيلومترات المعبدة، بل بقدرتها على إنعاش التجارة، وربط المحافظات، وجذب الاستثمارات، وتحويل الموقع الجغرافي للبلاد إلى مورد اقتصادي مستدام. مع ذلك، إذا بقيت الطرق مشاريع معزولة، أو افتقرت إلى الحوكمة والشفافية والتخطيط طويل الأجل، فقد تتحول من فرصة تنموية إلى عبء مالي جديد.
ختاماً، يبدو أن الطرق المأجورة في سوريا خيار اقتصادي فرضته الظروف لا الرغبة. ولن يتوقف نجاحها على بناء الطريق السريع فحسب، بل أيضاً على قدرة الحكومة على وضع نموذج استثماري متوازن يحقق عوائد للمستثمرين مع الحفاظ على حق المواطنين في الوصول إلى شبكة نقل آمنة وعادلة، واستعادة مكانة البلاد الجغرافية كأحد أهم أصولها الاقتصادية في مرحلة ما بعد النزاع.
سوريا اليوم
