المركزي السوري يحرر الشمال من قبضة الليرة التركية
متخصصون .. قرار سيادي ... و يحذرون من صدمة طلب على الدولار




 

سيرياستيبس :

في وقت تُظهر الليرة السورية تحسناً واضحاً أمام الدولار، الذي تراجع إلى مستوى 2900 ليرة، وبينما تقترب العملة الجديدة "محذوفة الصفرين" من بسط سيطرتها الكاملة في مختلف التداولات، مع فقدان العملة القديمة قيمتها الإبرائية نهاية الشهر الجاري، أعلن مصرف سوريا المركزي بدء خطة لسحب الليرة التركية تدريجاً من التداول في أسواق الشمال، لا سيما محافظة إدلب، وإيقاف ضخ كميات جديدة منها، تزامناً مع افتتاح فرع للمصرف المركزي في المنطقة لتعزيز حضور الليرة السورية واستعادة السيادة النقدية تدريجاً.

ويأتي توجه "المركزي" هذا في إطار مسار توحيد السياسة النقدية وتعزيز حضور العملة الجديدة على كامل الجغرافيا السورية.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان فجَّر قبل أيام مفاجأة بدعوته المواطنين إلى اعتماد الليرة السورية بصورة كاملة في جميع التعاملات المادية في الشمال السوري، لا سيما محافظة إدلب، مؤكداً أن الهدف هو حصر جميع المعاملات المالية والتجارية مستقبلاً بالليرة السورية، داعياً المواطنين إلى البدء بالتوجه نحو استخدام العملة المحلية.

وكشف رسلان، خلال افتتاحه فرعاً للمصرف المركزي في مدينة إدلب شمال سوريا، بعد 11 عاماً على توقفه، عن عقد اجتماع مع حاكم المصرف المركزي التركي ومؤسسة البريد التركية، لبحث الترتيبات اللوجيستية اللازمة لسحب الليرة التركية تدريجاً ووقف ضخها إلى الداخل السوري بصورة كاملة، بما لا يثير حالات من الهلع أو القلق لدى السكان، ويعزز حضور الليرة السورية في إدلب، بعد ستة أعوام على بدء استخدام الليرة التركية في التعاملات اليومية، مما خلق صعوبات في دمج المحافظة نقدياً مع البلاد بعد سقوط النظام البائد.

100 مليون دولار كتلة نقدية بالليرة في إدلب

على رغم إصدار محافظة إدلب تعميماً في ديسمبر (كانون الأول) 2025 ألزمت فيه المؤسسات العامة والخاصة كافة، بما فيها المصارف ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة، بالتعامل بالليرة السورية حصراً، فإن الليرة التركية بقيت هي المهيمنة على التداول والتعاملات النقدية، مع الإشارة إلى أن السكان في الشمال وإدلب يتعاملون بعدة عملات، كالدولار واليورو والليرة السورية القديمة والجديدة، إلا أن الأكثر انتشاراً وتداولاً هي الليرة التركية.

منذ صيف عام 2020 يتعامل الأهالي في الشمال السوري بالليرة التركية بعد حظر استخدام الليرة السورية، وكانت الليرة السورية فقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها. ومع سقوط النظام البائد، عادت الليرة السورية للتداول في الشمال السوري إلى جانب الدولار والليرة التركية.

ومع طرح العملة السورية الجديدة وبدء صرف رواتب موظفي القطاع العام بالليرة السورية، ازداد تعقيد المشهد النقدي داخل إدلب في ظل استمرار تعدد العملات المتداولة، وهو ما يواجه الأهالي بتحديات يومية عند شراء حاجاتهم وإتمام معاملاتهم المالية.

وتقدر الكتلة النقدية من الليرة التركية المتداولة رسمياً في الشمال السوري بما يتجاوز 100 مليون دولار، مع نحو 70 مليون دولار شهرياً كرواتب ومصاريف لموظفي المجالس المحلية.

وتستخدم كعملة أساس للتبادل التجاري وتسعير السلع، مما يؤكد أن الكتلة المتداولة أوسع وأكبر من الأرقام المعلنة.

ماذا لو كان؟

رأى اقتصاديون ومصرفيون سوريون أن سحب عملات دول الجوار، كالليرة التركية، من التداول في الأسواق السورية، عدا عن كونه أمراً سيادياً، سيسهم في رفع سعر صرف الليرة السورية وزيادة قوتها الشرائية، إلا أنهم شددوا على ضرورة تنفيذ عملية تخلي الناس عن عملة الدولة الجارة وفق سياسة مدروسة بدقة عالية.

لكن هل يكفي السحب؟ وبخاصة أن المحاولات السابقة لإعادة إحياء تداول الليرة السورية في إدلب والشمال، سواء عبر الرواتب أو غيرها، أظهرت مشكلة عميقة تتمحور حول انعدام ثقة المواطن بعملته المحلية، لذلك قد يكون من الطبيعي أن يتحول المواطنون إلى الادخار بالدولار أو الذهب، كبديل أكثر منطقية في ظل تقلبات الليرة السورية وتراجعها.

وأكد عضو غرفة تجارة دمشق محمد حلاق أنه بمقدار ما يستطيع المصرف المركزي إتقان عملية السيطرة ودعم الليرة السورية، ومنع تداول أو حتى تخفيف استخدام الليرة التركية أو أي عملة أخرى، فإنه يقوم حكماً بعمل إيجابي لمصلحة العملة الوطنية والاقتصاد معاً.

وأوضح، في حديث مع "اندبندنت عربية"، أنه قد يكون من الصعب منع تداول الليرة التركية بمجرد صدور قرار، فالأمر يحتاج إلى وقت وتوافر ظروف مساعدة حتى تستقر الأمور، ويتم فعلاً التمكن من إلغاء تداول العملة التركية وغيرها على أرض الواقع.

وفي كل الأحوال، يبدو مهماً أن يقوم المصرف المركزي بمحاولة جادة لتخفيف تداول أي عملة أخرى غير الليرة السورية، التي يجب أن تكون الوحيدة المتداولة بصفتها العملة الوطنية.

ونصح التاجر السوري بإدارة عملية سحب الليرة التركية عبر سياسة موضوعة بدقة، ووفق مراحل مدعومة بإجراءات وتنسيق عالي المستوى مع المصرف المركزي التركي، لتأمين تطبيق الخطوة تحت مظلة تشريعات وقوانين واضحة ومحفزة للناس، وقادرة على إنجاز الأمر بيسر وسهولة، مركزاً في حديثه على قطاع الأعمال الذي يجب أن يكون سبَّاقاً في اعتماد الليرة السورية طالما أنها متوافرة، لا سيما أن هناك فئات جديدة وجيدة من العملة.

وقال حلاق متسائلاً "ماذا عن الدولار؟ فإذا كانت الجمارك تدفع بالدولار، وسلفة ضريبة الدخل بالدولار، والإنفاق الاستهلاكي بالدولار، فهذا يعني أننا لا نستطيع الاستغناء عن التسعير بالدولار، الذي سيبقى مستخدماً بينما نحاول بسط سيطرة الليرة في جميع التعاملات"، متمنياً أن يكون استخدام الدولار مرحلة انتقالية، وألا يتطور إلى وضع دائم.

وشدد على أن قرار سحب الليرة التركية من التداول قد يشكل الطريق الصحيح الوحيد لإنقاذ العملة على المدى الطويل، لكن تطبيقه في الواقع الحالي، ومن دون شروط مسبقة، سيكون له تأثير سلبي ومدمر على سعر الصرف على المديين القصير والمتوسط.

ولذلك، فإن النجاح في تحقيق الأهداف مرهون بتوافر شروط قادرة على توسيع قاعدة الطلب على الليرة السورية، لا سيما أن البلاد تبدأ عهدها مع عملة جديدة، ويكون ذلك من خلال تحفيز زيادة الطلب على شراء السلع، ودفع الرواتب والإيجارات بالليرة السورية، مؤكداً أن نجاح ذلك في نهاية المطاف مرتبط بوجود ليرة سورية قوية لا يهرب منها الناس، وأن إلزام الناس بالتداول بها يشكل أحد العناصر الداعمة لتحسين قيمتها، في حين يبدو التضخم العدو الأهم لليرة، والسبب الرئيس للهرب منها إلى الليرة التركية.

وأكد أن أحد أهم عناصر النجاح هو إنجاز تعاون وتنسيق عالي المستوى مع المصرف المركزي التركي، بما يوقف ضخ العملة التركية إلى الداخل السوري، محذراً من حدوث صدمة طلب على الدولار بدلاً من الليرة السورية، ولا سيما لأغراض الادخار عوضاً عن الليرة التركية، مما يمكن أن يؤدي إلى تراجع الليرة السورية لمصلحة الدولار.

وأكد، في هذا السياق، ضرورة توفير سيولة كافية من الليرة السورية الجديدة في السوق، وإعادة هيكلة الأجور بالعملة الوطنية، لا سيما أن القطاع الخاص في مناطق الشمال يسدد رواتبه بالليرة التركية.

ظروف التعامل بالليرة التركية انتهت

رأى مدير مصرف "فرنسبنك سوريا" نديم مجاعص أن توجه المصرف المركزي لسحب الليرة التركية من التداول في الشمال السوري أمر طبيعي ومتوقع، لأن كل دولة في نهاية المطاف عليها أن ترسخ وتفرض التعامل بعملتها المحلية، التي تعد أحد رموز سيادتها.


وأوضح أن التعامل بالليرة التركية كان مرحلة فرضتها ظروف معينة غير طبيعية، أو لنقل مرحلة انتقالية، وكذلك فإن سوريا تمر اليوم بمرحلة انتقالية، وهناك أمور مسموحة للضرورة وتلبية لواقع معين، فالناس تداولوا وعملوا وادخروا بالدولار والليرة التركية واليورو في ظل ظروف فرضت ذلك.

وأضاف "الدولة اليوم في طريقها إلى استعادة سيادتها على أرضها ونقدها واقتصادها، والعملة هي أحد أهم رموز السيادة الاقتصادية، وهي تقول بكل وضوح إنها تريد لمواطنيها أن يتعاملوا بعملة البلد الوطنية، وليس بعملة أخرى لا سلطة لها عليها ولا على إصدارها، وهذا ينطبق على الدولار أيضاً. أي إن الدولة السورية اليوم تحاول وقف التعامل بعملات تعود لدول أخرى، وهذا قرار طبيعي، وكان يجب أن يُتخذ عاجلاً أم آجلاً".

وتابع مجاعص في حديثه مع "اندبندنت عربية" أن هذا التوقيت مناسب جداً، مؤكداً ضرورة أن تدار العملية بحكمة وبأدوات وسياسات نقدية فاعلة، كي لا تكون هناك نتائج سلبية على الاقتصاد والليرة في وقت يمكن تحقيق نتائج إيجابية، ولا سيما مع وجود تعاون من الجانب التركي إلى جانب المضي قدماً في تطوير البنية التحتية الرقمية، التي باتت حاجة ملحة اليوم.

قنوات استثمار وادخار محفزة بالليرة

يؤكد اقتصاديون ضرورة إرفاق خطوة الاستغناء عن الليرة التركية بسياسات نقدية قادرة على تحقيق الإصلاح الذي يؤمن كبح معدلات التضخم المرتفعة، وإعادة بناء الثقة بالعملة المحلية، وضمان عدم اللجوء الجماعي نحو التحوط بالدولار، وهو ما قد يشكل مزيداً من الضغط على الليرة السورية، كما أن هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن مخزون الليرة التركية أقل من مخزون الدولار.

وأكد المصرفي محمد الآغا أن القرار سليم جداً وكان متوقعاً، إذ لا يجوز استخدام عملة دولة مجاورة في إحدى المدن السورية، مشيراً في حديث مع "اندبندنت عربية" إلى أن هذه الخطوة تمثل إعادة دمج حقيقية لمحافظة إدلب في الاقتصاد الوطني، مما سيزيد الطلب على الليرة السورية ويدعم قيمتها، لأن استقرار العملة يرتبط بقدرة الحكومة والمصرف المركزي على إدارة وضبط الكتلة النقدية المطروحة للتداول.

وأضاف الآغا "مع طرح العملة الجديدة يبدو الأمر أسهل من السابق، فالحكومة اليوم المتحكمة بالإنفاق الجاري، الذي يشمل كتلة الرواتب والأجور ومصاريف الاستهلاك اليومي للمؤسسات الحكومية، إضافة إلى الإنفاق الاستثماري الموجه لمشروعات البنية التحتية والمشروعات الاقتصادية التنموية، وهذا يعني أنها قادرة على منع حدوث أي طفرة مفاجئة في طرح النقد في السوق".

وأوضح المتخصص السوري أنه كي تحصد الحكومة نتائج سحب الليرة التركية من الشمال السوري، فلا بد من العمل بقوة من أجل بناء الثقة بالعملة الوطنية على أسس اقتصادية ونقدية سليمة، والعمل على كبح التضخم بإجراءات مستدامة، والسعي إلى بناء قاعدة إنتاجية قوية تتيح فرصاً حقيقية للتصدير، بما يقلص الفجوة مع الاستيراد، إلى جانب تخفيف القيود المفروضة على الليرة من خلال سياسة حبس الكاش المستمرة منذ أعوام، وضبط المالية العامة وتوحيد سعر الصرف، وخلق قنوات ادخار محلية موثوقة أمام المواطنين تغنيهم عن الادخار بالليرة التركية أو بالدولار.

وأشار، في هذا السياق، إلى أن فرض التعامل بالليرة السورية بدلاً من تعدد العملات، بما فيها التركية، سيحمي الناس من تقلبات سعر الصرف ووقوعهم في براثن تجار العملة، الذين يشكلون اليوم الطبقة الأخطر على الاقتصاد السوري، متوقعاً أن يساعد حصر التعامل بالليرة السورية الجديدة في تحقيق الاستقرار لدى السوريين، لا سيما لجهة تخليصهم من عبء تداول عملتين، قديمة وجديدة، آملاً أن يكون هناك معروض كافٍ من الليرة الجديدة، وأن يلتزم قطاع الأعمال بدفع الرواتب بالليرة السورية.

وأشار أيضاً إلى أن الدولار ينتشر في الشمال السوري أكثر من الليرة التركية، لأن السكان هناك يفضلونه للادخار هرباً من تضخم الليرة التركية، لذلك يجب على المصرف المركزي مراقبة عملية التحول جيداً، والتأكد من أن الليرة السورية هي البديل، وأن تحقيق ذلك لن يحدث إلا بتوفير مقومات حقيقية للثقة بالليرة، وضمان استقرارها، وخلق فرص استثمار وادخار مجزية بها.

وختم المتخصص السوري حديثه قائلاً "في كل الأحوال، فإن النجاح في سحب الليرة التركية من الأسواق ليس بالأمر السهل، ويحتاج إلى خطوات صارمة على الأرض، كما أن تحقيق كل ذلك مرهون بتوافر أدوات سياسة نقدية فاعلة، وتحقيق استقرار في سعر الصرف".

اندبندنت عربية



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=126&id=206414

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc