صهاريج النفط العراقي تغزو طريق حمص طرطوس.. ماذا تستفيد سوريا ؟
09/07/2026




 

سيرياستيبس :

على طول طريق حمص طرطوس تنتشر الصهاريج المحملة بالنفط والفيول العراقي المتجه نحو ميناء بانياس للتصدير الخارجي. ولأول مرة منذ سنوات تعود حركة التصدير الطبيغية إلى هذا الطريق. وعلى الرغم من كون هذه الحركة طبيعية في ظل استعادة سوريا لمكانتها الاستراتيجي، إلا أن وراءها فائدة اقتصادية وسياسية أكبر بكثير. فقد دفعت الظروف الدولية التي عاشتها المنطقة خلال الأشهر الماضية إلى استعادة سوريا لمسار تصديري مهم بعدما وجدت بغداد حلاً لتصدير نفطها عبر سوريا بدلاً من الخليج العربي.

ومنذ بدء عمليات التصدير، أصبح السؤال المتداول لكل السوريين الذين يسلكون خط حمص طرطوس عن هذه الصهاريج، غير أن السؤال تحول إلى كارثة عندما وقعت عدة حوادث مرورية على هذا الطريق، ونتج عنه حرائق لصهاريج، ووفيات في بعض الحالات.

فقد اندلع حريق كبير على طريق حمص-طرطوس قرب جسر أم جامع أمس نتيجة اصطدام صهريجين كانا ينقلان الفيول العراقي. ونتج عنه وفاة سائق أحد الصهاريج وإصابة آخر. في الوقت الذي استمرت عمليات إخماد النيران لساعات.

كما تسبب انقلاب أحد الصهاريج في تسرب كميات من الفيول إلى الطريق العام، وهذا ما صعب عمليات الإطفاء وزاد من خطورة الحادث.

لم تكن هذه الحادثة الأولى لهذه الصهاريج، فقد شهدت الطرق التي تسلكها الصهاريج عدة حوادث أخرى خلال الأشهر الماضية، ومن بينها انفجار صهريج على أوتوستراد M4 بين إدلب واللاذقية في شهر أيار، وأسفر حينها عن وفاة شخصين وإصابة ثلاثة آخرين.

لماذا لم يعد العراق يعتمد على الخليج وحده؟

قد يتساءل البعض عن أسباب وجود هذا الكم الهائل من الصهاريج العراقية على الطرق السورية، خصوصاً أن العراق لم يكن يعتمد عليها. لكن لفهم السبب الحقيقي لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً.

لفهم سبب وجود كل هذه الصهاريج، علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء. فالعراق يعتمد بالأساس على تصدير نفطه عبر موانئ البصرة في الجنوب المطلة على الخليج العربي. إذ يصدر يومياً حوالي 3.6 ملايين برميل من النفط، ويعد النفط المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة. لكن مع اعتماد العراق على هذا الطريق لوحده ظهرت المشكلة!

عندما شهد مضيق هرمز توترات أثرت في حركة الملاحة، أدركت بغداد أن أي أزمة جديدة قد تؤثر مباشرة في صادراتها النفطية، وبالتالي في اقتصاد البلاد. لذلك لم تنتظر الحكومة العراقية طويلاً، وبدأت تبحث عن منافذ أخرى يمكن استخدامها عند الحاجة، سواء عبر تركيا أو الأردن أو سوريا.

لكن تحول هذا البحث من محاولة إنقاذ اقتصاد البلد، إلى سياسة رسمية قائمة على تنويع طرق التصدير حتى في الأوقات الطبيعية، حتى لا يبقى الاقتصاد العراقي معتمداً على منفذ واحد.

لماذا كانت سوريا الخيار الأقرب؟

قد يتساءل البعض عن سبب اختيار العراق لسوريا تحديداً لتصدير نفطها عبره. وهنا الجواب بسيط، إذ توفر سوريا للعراق أقصر طريق إلى البحر المتوسط، ومن هناك يمكن شحن النفط بسهولة إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية. وإذا نظرنا إلى وضع العراق السياسي وخلافاته الإقليمية نستنتج أن الطريق السوري هو الخيار الأنسب له، خصوصاً بعد الخلافات المتعلقة بخط كركوك-جيهان مع تركيا. لذلك بدأت بغداد تنظر إلى سوريا ليس باعتبارها حلاً مؤقتاً، بل بوصفها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في المستقبل.

كيف يصل النفط العراقي إلى البحر المتوسط؟

بدأ التعاون بين البلدين عملياً في شهر نيسان الماضي. فقد وقعت شركة “سومو” العراقية، وهي الشركة الحكومية المسؤولة عن تسويق النفط، عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن من زيت الوقود شهرياً عبر الأراضي السورية. ومنذ ذلك الوقت، تنطلق آلاف الصهاريج من العراق باتجاه ميناء بانياس.

وعندما تصل الشحنات إلى الميناء، يجري تفريغها داخل منشآت التخزين، ثم يعاد تحميلها على ناقلات بحرية كبيرة تنقلها إلى موانئ في أوروبا وإفريقيا. وبالفعل وصلت شحنات عراقية إلى ميناء بانياس خلال الأشهر الماضية، لكن هذا ليس نهاية المشروع!

ستكون المرحلة القادمة أكبر من الحالية، إذ يعمل العراق وسوريا على بدء تصدير النفط الخام أيضاً، بكمية تصل إلى نحو 50 ألف برميل يومياً بالإضافة إلى مادة النافثا، بعد استكمال تجهيزات التحميل والتخزين.

ولإدارة هذه العمليات بشكل مباشر، تستعد شركة “سومو” لافتتاح مكاتب لها في مدينة بانياس، وهو ما يعكس أهمية المشروع بالنسبة للعراق. بينما أكدت الحكومة السورية أن ميناء بانياس أصبح قادراً على استقبال نحو 900 صهريج يومياً، مع تنفيذ توسعات جديدة لزيادة القدرة الاستيعابية.

هذه ليست أول مرة يمر فيها النفط العراقي عبر سوريا

قد يظن البعض أن هذا التعاون بدأ بسبب أزمة مضيق هرمز فقط، لكن الحقيقة مختلفة، فالنفط العراقي كان يسلك طريقه إلى الساحل السوري منذ أكثر من سبعين عاماً. ففي عام 1952 دخل خط كركوك-بانياس الخدمة، وكان واحداً من أهم خطوط نقل النفط في الشرق الأوسط. وكان الخط ينقل نحو 300 ألف برميل يومياً من حقول كركوك إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط.

استمر العمل بهذا الخط لسنوات طويلة، قبل أن يتوقف نهائياً بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، عندما تعرضت أجزاء كبيرة منه للتخريب، واليوم يعود هذا الخط التاريخي إلى الواجهة مرة أخرى.

فخلال العام الماضي بدأت المحادثات بين العراق وسوريا حول إمكانية إعادة تأهيل الخط أو إنشاء واحد جديد أكثر حداثة.

وعلى الرغم من تكلفة المشروع التي قد تصل إلى الاستثمار بمليارات الدولارات، إلا أنه يمنح العراق منفذاً دائماً وآمناً نحو البحر المتوسط، وهو ما يجعله مشروعاً استراتيجياً أكثر من كونه مشروعاً اقتصادياً فقط. حتى أن بعض التصورات المستقبلية تتحدث عن إمكانية نقل مئات آلاف البراميل يومياً عبر سوريا، وربما أكثر من مليون برميل إذا اكتملت مشاريع الربط الجديدة.

ماذا ستجني سوريا من هذا المشروع؟

قد يعتقد البعض أن سوريا تستفيد فقط من رسوم عبور الصهاريج، لكن المكاسب المحتملة أكبر من ذلك بكثير. فالحكومة السورية تعمل على إعادة تنشيط الاقتصاد بعد سنوات الحرب، وترى في هذا المشروع فرصة لإحياء مرافئ بانياس وطرطوس وإعادة تشغيلها بكامل طاقتها.

كما أن مرور مئات الصهاريج يومياً يعني زيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين والصيانة والخدمات البحرية، وهو ما يخلق نشاطاً اقتصادياً وفرص عمل جديدة. وإذا نجح المشروع وتوسع خلال السنوات المقبلة، فقد تصبح سوريا مرة أخرى ممراً رئيسياً للطاقة يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، وربما بأوروبا أيضاً.

الطريق لا يزال مليئاً بالتحديات

على الرغم من الفرصة الاقتصادية والاستراتيجية الكبيرة التي تحصدها سوريا من هذه العملية، إلا أن التحديات لا تزال موجودة. فالاعتماد على الصهاريج يعني أن النقل أكثر كلفة وأبطأ مقارنة بخطوط الأنابيب بالنسبة للعراق. أما بالنسبة لسوريا فإن البنية التحتية التي تحتاج لصيانة وإعادة تأهيل نتيجة الحرب تعد من أكبر التحديات، والدليل على ذلك الحوادث المتكررة للصهاريج على الطرق السورية. عدا عن بعض الاحتجاجات التي عطلت مرور القوافل النفطية في مناطق شمال شرقي سوريا.

كما شهدت منطقة بانياس في بعض الفترات طوابير طويلة من الشاحنات امتدت لعشرات الكيلومترات، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يتعرض له هذا المسار الجديد. لذلك يرى كثير من الخبراء أن نجاح المشروع على المدى الطويل لن يتحقق بالاعتماد على الصهاريج وحدها، وإنما من خلال إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس أو إنشاء خط أنابيب جديد يستطيع نقل كميات أكبر بتكلفة أقل.

في الختام، تستعيد سوريا لدورها الحيوية شيئاً فشيئاً، فالصهاريج النفطية التابعة للعراق قد تفتح الأعين لمشاريع أخرى. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه المشروع، إلا أن العمل على تموضع سوريا على خارطة الاقتصاد الإقليمي هو الهدف النهائي الذي يعود على الاقتصاد السوري بالخير.

سوريا اليوم



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=136&id=206412

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc