الحميات الغذائية... الموت بحثا عن الجسد المثالي
27/06/2026





سيرياستيبس 


حميات غذائية عدة تحولت إلى مسألة حياة أو موت على عديد من التطبيقات والمنصات. منها ما يروّج له باعتباره مسألة أخلاقية، مثل حماية الأرض أو ترشيد الموارد أو التخفيف من الضغوط الموضوعة على كاهل الحيوانات والأسماك والطيور، أو التسويق له عبر طرح نماذج لقدود مثالية لدرجة خيالية وأبعد ما تكون عن الواقع، أو باستخدام شخصيات محبوبة يجري تلقينها بأنها تعتمد على نظام غذائي ما أو منتجات غذائية معينة، ومنها أيضاً ما يجري صناعته وبثه ونثره عبر مؤثرين ومؤثرات يتخذون من مسمى "اختصاصي التغذية" عنواناً لمحتواهم، على رغم أنهم ليسوا كذلك.
وكأنّ العالم كان فيه متسع لمعارك الأطعمة، أو موطئ قدم للاشتباكات بين النباتيين وآكلي اللحوم بأنواعها، أو خرم إبرة لفريق صيام متقطع يناطح فريق وجبات صغيرة كثيرة متناثرة، لتطل على البشرية بين حين وآخر حروب ضارية ابتدعها أطباء وأدعياء طب واختصاصيي تغذية وهواة اتخذوا من صحة البشر حقل تجارب، ثم مجالاً لكسب لقمة العيش، تارة بابتداع نظام غذائي لم يسمع عنه أحد، وأخرى بخرق قواعد المنطق وضرب عرض الحائط بقوانين الصحة والغذاء والحياة والموت.
ولّى زمن الحمية الجميل وقت كان يزيد وزن أحدهم فيمارس الرياضة قليلاً، ويأكل السلاطة كثيراً، من دون أن يسبب صداعاً لمن حوله، أو يحوّل نظامه الغذائي إلى أمر يستحق الجدل والخلاف، أو الاتفاق والتثمين، أو التوبيخ والتقريع. ودبُر زمن الخط الفاصل بين المأكولات العالية الدهون والسكريات والكربوهيدرات، وتلك العامرة بالفيتامينات والألياف البروتين.
حتى زمن هيمنة البيض المسلوق أسلوب حياة، أو اللحوم الحمراء والدهون الصحية طريقة عيش، الذي ظنت البشرية أن نهاية العالم اقتربت بهذا الإفراط في التضييق، أو ذلك التطرف في التحديد، يمثل اليوم زمن الصرعات الوسطية الجميلة.
تحوّلت حمية شهاب ودايت جيهان وسيستم علياء وأسلوب حياة علاء إلى ما يشبه النصوص المقدسة، من يعتنقها فهو منا، ومن يعاديها فهو عدو لنا. ولنا في "نظام ضياء" المعروف بـ"الطيبات" عبرة ودرس وخبرة ورسالة وإنذار.

اعتبر المصريون قبل عقود أن السمك حين يصحبه شرب اللبن مع التمر الهندي، أقصى درجات الفوضى الغذائية والعشوائية الصحية، حيث وجبة مالحة مع مشروب أبيض دسم وآخر حمضي لاذع يجعلها خلطة بعيدة عن منطق التناول، وإن جرى تناولها فهي عصية على المعدة.
وحين قال العرب قديماً إن المعدة بيت الداء والحمية بيت الدواء، فأغلب الظن إنه لم يدر بخلدهم أن "أتكنز" و"أم سجدة" و"كارداشيان" و"شيماء" و"دوكان" و"العوضي" و"ميادة" (زوجة العوضي) وغيرهم الآلاف سيتزاحمون على باب الداء، زاعمين أن كلاً منهم يحمل مفتاح الدواء.
ثقافة النظام الغذائي ليست وليدة آكل السلطة ونابذ البقلاوة، أو نظام "أتكنز" أو "طيبات" العوضي، أو أي من أنظمة عائلة "كارداشيان"، أو غيرهم. النظام الغذائي لا يعني الحمية، أو فقدان الوزن، أو اكتسابه. يعني فقط إجمالي كمية الطعام التي يتناولها الشخص منذ وجد البشر ووجد الطعام والشراب. أمّا تحوّله ليفيد تقييد تناول الكميات، أو تحديد نسبها، أو توزيع أوقاتها، بهدف إنقاص أو زيادة الوزن، أو تغيير بنية الجسم، فهذا حمية، وأغلبها خرج إلى النور في القرن العشرين.
تاريخ الرشاقة
عن تاريخ الحمية الغذائية، يؤرّخ "مركز البحوث الاجتماعية والصحية" الأميركي نشأتها وتطورها في دراسة عنوانها "ثقافة الحمية الغذائية". مشيراً إلى أنه قبل اختراع وسائل حفظ الطعام والتبريد الحديثة، كان الناس يتناولون الأطعمة المحلية الموسمية المتوافرة. ولهذا السبب، تباينت العناصر الغذائية والأنظمة الغذائية بشكل كبير تبعاً لمكان وجودهم في العالم. قبل زراعة الحبوب، كانت الأنظمة الغذائية تعتمد كلياً على ما يمكن العثور عليه، أو صيده، مع العلم أن البشرية لم تنتقل من مرحلة تناول الطعام من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى الاستمتاع بالطعام والشراب، ثم التفنن في مكوناته، وبعدها انتقاء أنواع من دون غيرها لأغراض شتى، إلا مع ظهور وسائل النقل وحفظ الطعام الحديثة. وكلما اتسع هامش الاختيار، زاد اهتمام الناس بما يتناولونه، سواء المكونات أو الكميات أو الآثار.
أمّا ارتباط فكرة اللياقة أو الرشاقة (مع اختلاف مفهومها كثيراً عبر تاريخ الفكرة) والصحة وارتباطها بالأطعمة والمشروبات، فوثيقة الصلة بالحضارات القديمة مثل الحضارة المصرية القديمة، إذ تناول المصريون القدماء طعاماً متوازناً ومغذياً ومفيداً بين خضراوات وفواكه وبقوليات وخبز بني والقليل من اللحوم، والحضارة اليونانية حيث الاهتمام الكبير باللياقة والصحة وعلاقتهما بالطعام، وغيرها من الحضارات.
ويمكن القول إن كتاب "فن العيش الطويل" الذي ألفه الإيطالي لويجي كورنارو في عام 1558 من أوائل الكتب التي تناولت فكرة النظام الغذائي والحمية بشكل واضح. واحتوى على نصائح بأن لا يزيد ما يأكله الشخص في اليوم من الطعام على 340 غراماً و400 ملليغرام من النبيذ. وفي عام 1614، صدر كتاب "فواكه وأعشاب وخضراوات إيطاليا"، واحتوى على انتقادات شديدة لما يأكله البريطانيون من كميات كبيرة من اللحوم ومأكولات غنية بالسكريات. ويقال إن هذا الكتاب أحد المراجع الرئيسة لـ"حمية البحر المتوسط". إنها الحمية التي تبلورت على مدار عقود طويلة، لكن جرى تقديمها بشكل علمي مدروس في الولايات المتحدة الأميركية عام 1975. وفي التسعينيات، اعتمد عدد من المنظمات الصحية ومراكز البحوث المرموقة ما يعرف بـ"هرم حمية البحر المتوسط"، وهو ما أحدث ضجة في عالم الحميات والأنظمة الغذائية.

 
المؤكد أن "حمية البحر المتوسط" التي تعتمد على تناول الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة وزيت الزيتون، والتناول المعتدل للأسماك والألبان ومنتجاتها، وتقليل اللحوم الحمراء والسكريات، من أبرز الأنظمة الغذائية التي تعتبر أسلوب حياة، لا حمية، أو صرعة، إضافة إلى أنها تضع غاية الصحة على قدم المساواة مع الغايات الجمالية، إن لم يكن قبلها، وذلك على العكس من الحميات الرائجة.
سمة العصر. إنها الحميات التي تحاصر البشرية، إن لم يكن عبر شاشات التلفزيون، فمن خلال التسويق الجنوني لأطباء واختصاصيي التغذية ومن اتخذوها مهنة، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فالسوشيال ميديا كفيلة بالإيقاع بمن فلت أو نجا بنفسه منها.
الحميات صرعات
الحميات الرائجة صرعات، تظهر فجأة، وتحظى بشعبية كبيرة، وتصبح ملء السمع والبصر، وتنعكس على محتويات البراد في البيت، وأرفف السلع في السوبرماركت وفيديوهات المؤثرين والمؤثرات، لكن كما تظهر فجأة، تختفي فجأة مفسحة البراد والرف والمحتوى لبدعة أو صرعة أو موضة جديدة، وهلم جرا.
قوائم الحميات التي شغلت البشرية وما زالت أكثر من أن تعد أو تحصى. القائمة متخمة بالمكونات والأسماء ورسوم بيانية تعكس قصة صعود وخفوت كل منها. حمية "أتكنز" الشهيرة لمبتكرها طبيب القلب الأميركي روبرت سي أتكنز تعود إلى الستينيات. تعتمد على تقليل الكربوهيدرات، والإكثار من البروتينات والدهون، وذلك بهدف إعادة هيكلة الجسم ليحرق الدهون المخزنة بدلاً من الكربوهيدرات، والدخول في حالة "الكيتوزية".
يشار إلى أن "الكيتوزية" تعني أن يقوم الجسم بطريقة طبيعية، أي من دون تدخل دوائي، بتحويل مصدر الطاقة الأساسي للجسم، وبدلاً من الاعتماد على الغلوكوز أو السكر المستمد من الكربوهيدرات، يبدأ الجسم في حرق الدهون المخزنة، ويجري تحويلها إلى مركبات تسمى "كيتونات"، يستخدمها كوقود.
انتشرت الحمية انتشاراً محموماً في جميع أنحاء العالم على مدار سنوات طويلة، وتمكّنت من البقاء على رغم المخاوف الصحية التي أثيرت حولها من التسبب في أعراض موقتة تعرف بـ"إنفلونزا الكيتو"، ومشكلات هضمية وفي الكلى، وإمساك، إضافة إلى أخطار على القلب والأوعية الدموية بسبب ارتفاع نسبة الدهون المشبعة.

 
اللافت أن وفاة مبتكرها دكتور أتكنز في عام 2003 أثر سلباً في انتشارها. رحل أتكنز، ورحلت معه محتويات أرفف السوبرماركت التي قدمت نفسها باعتبارها "صديقة لحمية أتكنز"، لكن بقيت فكرة "الكيتو" و"الكيتونات"، وأعيد ملء الأرفف بمنتجات صديقة لـ"حمية كيتو" التي تكاد تكون صورة طبق الأصل من "حمية أتكنز"، لكن بتصرف.
اللافت أن كثيرين لا يعرفون أن "حمية كيتو" ابتكرها الطبيب الأميركي المتخصص في مرض السكري والصرع راسل ويلدر في عام 1921، لا بهدف الوصول للقوام المثالي، لكنه جزء من علاج طبي لمساعدة الأطفال المصابين بالصرع المقاوم للأدوية.
اعتمد نظام ويلدر على نظام غذائي يحاكي التأثيرات الأيضية للصيام من دون التسبب في نقص حاد في السعرات الحرارية، وذلك عن طريق استبدال الكربوهيدرات بكمية كبيرة من الدهون. وقد أعيد إحياء فكرة الكيتو غير مرة، أبرزها على يد دكتور أتكنز.
ومن "الكيتو" بأسمائها وموجاتها المختلفة، إلى الصيام المتقطع، إحدى الصرعات الكبرى في مسيرة الحميات. وعلى رغم ارتباط فكرة الصيام المتقطع بأسماء باحثين وعلماء وأطباء، فإنه من المرجح ألا يكون شخص بعينه قد ابتدعها، بقدر ما قاموا بتطوير فكرة الصيام المشتقة من معتقدات وأديان عدة، لتخرج من حيز الدين إلى فضاء الحمية، أو ربما من فضاء الدين إلى حيز الحمية. وأبرز الأسماء المطروحة على قائمة المطورين طبيب الكلى الكندي جاسون فانغ، والصحافي العلمي البريطاني مايكل موزلي، وعالم الشيخوخة البيولوجية الأميركي الإيطالي فالتر لونغو.
من يتبع أية حمية ولماذا؟
أما من يتبع أية حمية؟ ولماذا؟ ولأية مدة؟ فأسئلة وجودية يعجز البعض عن الإجابة عنها، ويقدر البعض الآخر، لكن يخشون من الهجوم والاتهام وربما يلقون نصيبهم من الوقوف في وجه الطوفان. طوفان الحميات الغذائية يحمل في طياته فكرة، وفي قول آخر لعنة "الجسم أو القوام المثالي". رحلة اللهث والبحث والتنقيب عن الجسم المثالي هي جزء لا يتجزأ من رحلة الإنسان على وجه الأرض.
"أسطورة البحث عن الجسم المثالي" ليست فقط توثيق لتاريخ البشر على وجه الأرض، لكنه عنوان لمقال علمي منشور في دورية "سايكولوجي توداي" (2025) كتبته المعالجة النفسية المتخصصة في مجال اضطرابات الأكل كارولين كارول. تقول إن مواصفات "الجسم المثالي" تغيّرت عبر العقود ما جعل تحقيق الرضا الحقيقي للشخص عن قوامه ومظهره أمراً مستحيلاً، وأن ذلك بدأ قبل قرون، مروراً بالمجلات اللامعة وحالياً تطبيقات السوشيال ميديا مثل "تيك توك" حيث تعرض يومياً لوابل من الصور التي توحي بأن السعادة والثقة والنجاح والشعور بالقيمة الذاتية تتحقق بتحقق الشكل المثالي للجسم.
تأريخ "الجسم المثالي" يعود إلى قرون مضت، لكن الفكرة نفسها تمت المجاهرة بها، والترويج لها، والدفاع عنها، وتقفي أثرها، أحياناً بشكل مرضي بدءاً بمنتصف القرن الـ 19. النحافة المثالية، والملابس الضيقة بشكل مبالغ فيه كانت صرعة. وتصف وثائق تاريخية إن الشاعر وعضو مجلس اللوردات البريطاني اللورد بايرون، الذي كان ينظر إليه من قبل الفيكتوريين بأنه "أجمل رجل في العالم" بأنه أثر في الآلاف في ذلك الوقت ممن تمنوا أن يحظوا بقوام مثل قوامه.
"المؤثر" الفيكتوري اللورد بايرن اعتمد نظاماً غذائياً قائماً على تجزيع نفسه بشدة، ثم الإفراط في الطعام بشدة أيضاً. كذلك ابتكر ما يسمى بـ"حمية الخل"، والمعتمدة على تناول كميات كبيرة من الخل. إنها الحمية التي ما زال البعض يعتقنها اليوم عبر تناول ملعقة خل تفاح أو أكثر بصفة يومية.
يشار إلى أن "حمية الخل" راجت بشكل كبير، وفي الوقت نفسه تسببت في وفاة عدد من النساء، بسبب الإفراط في شرب الخل!
الموت بحثاً عن الجسد المثالي، بقدر مأسويتها، إلا أنها ليست فريدة أو غير مسموع عنها، لا سيما في زمن السوشيال ميديا. حميات غذائية عدة تحولت إلى مسألة حياة أو موت على عديد من التطبيقات والمنصات. منها ما يروّج له باعتباره مسألة أخلاقية، مثل حماية الأرض أو ترشيد الموارد أو التخفيف من الضغوط الموضوعة على كاهل الحيوانات والأسماك والطيور، أو التسويق له عبر طرح نماذج لقدود مثالية لدرجة خيالية وأبعد ما تكون عن الواقع، أو باستخدام شخصيات محبوبة يجري تلقينها بأنها تعتمد على نظام غذائي ما أو منتجات غذائية معينة، ومنها أيضاً ما يجري صناعته وبثه ونثره عبر مؤثرين ومؤثرات يتخذون من مسمى "اختصاصي التغذية" عنواناً لمحتواهم، على رغم أنهم ليسوا كذلك.

 
ويكفي أن عديداً من المؤثرين والمؤثرات من غير الدارسين أو المتخصصين أو المؤهلين أو المسموح لهم بممارسة مهمة ومهنة تقديم النصائح الغذائية ونشر الحميات يعتمدون على ما يعرف بـ"أنظمة المقاس الواحد"، وذلك من دون النظر إلى الحاجات الغذائية التي تختلف من شخص إلى آخر بناءً على السن والنوع والحالة الصحية والبنية الجسدية والحالة المادية، والإصابة بأمراض قد تقتل صاحبها حال اتباع نظام غذائي غير موصوف من قبل طبيب. تدعمهم في ذلك الخوارزميات، وتدفعهم إلى مزيد من تحقيق الشهرة والأرباح طبيعة السوشيال ميديا القائمة على كونها سلاحاً ذا حدين.
إنه المحتوى المتخم بالمفيد والضار، الغارق في خطوط وخيوط متداخلة ومتشابكة تجعل التفرقة بين غث الأنظمة الغذائية وسمينها عملية شبه مستحيلة. والنتيجة تفاقم اضطرابات الأكل، وأمراض الجسد، وعلل النفس، وأحياناً خطر الموت.
وحتى لا تظلم السوشيال ميديا، ولا يجري تحميل مؤثريها كل كلفة سعي البشرية المضنى من أجل القوام المثالي، يجب الإشارة إلى أن خطر الحميات أقدم من السوشيال ميديا. في تقرير لـ"بي بي سي" الإنجليزية عنوانه "أغرب الحميات الغذائية في التاريخ" (2013)، جرى حصر أشهر وأبرز لكن أغرب وأخطر الحميات على مدار التاريخ الحديث. المضغ والبصق أجهدا الكثيرين ممن آمنوا بهما طريقاً مضموناً ومريحاً لخسارة الوزن من دون خسارة مذاق الطعام الشهي. رجل أميركي يدعى هوراس فلتشر ابتدع فكرة مضغ الطعام حتى استخلاص المذاق المرغوب ثم بصقه. عرفت الطريقة باسم "الفليتشرية"، وعرف هو باسم "الماضغ الأعظم". ويقال إن الروائي هنري جيمس والكاتب التشيكي كافكا اتبعا هذه الحمية، التي يعرفها تمام المعرفة، ولو بقدر قليل كل من اتبع حمية يوماً ما.
تبدو حمية المضغ والبصق راقية ولطيفة مقارنة بحمية الديدان الشرطية. عرفت هذه الحمية في أوائل القرن العشرين، وانتشرت بين الراغبين في فقدان الوزن، لا سيما من كانوا يتمتعون بقلوب جريئة. كانوا يتناولون كميات كبيرة من الديدان الشرطية الموجودة في البقر، بعضها على هيئة أقراص، على اعتبار أن الديدان ستنضج في الأمعاء، فتمتص الطعام، وتفقد الشخص الوزن. فقدان الوزن جرى تصويره هدفاً أسمى يستحق بعض الإسهال والقيء والصداع والتهاب العينين. وبعد فقدان الوزن، يتم تناول أقراص مضادة للطفيليات، إلا أن أخطار التهاب السحايا والصرع والإصابة المبكرة بالخرف ومضاعفات في المعدة والمستقيم، ناهيك بأن الدودة الشرطية يمكن أن تنمو لتصل إلى تسعة أمتار، أثرت سلباً على حمية الديدان.
روحانيات الحمية
في مقابل صرعات الحمية وبدعها وشطحاتها المريبة وأحياناً المريعة، تكتسي حميات أخرى بألوان روحانية، وتكتسب صفات وسمعات نورانية. الدين والدايت يمثلان أحياناً وجهين لعملة واحدة، عملة القبول والإذعان والشعور بالانتماء، وأحياناً الحاجة الماسة إلى إيجاد عنصر تنظيمي في حياة عشوائية أو فوضوية.
اللافت أنه بينما يتحوّل اتباع البعض لحميات أو أنظمة غذائية إلى نوع من التطرف والتشدد والمغالاة، ومنهم من يجد في نظام غذائي ما مرجعية دينية أو عقائدية تكسب حميته هالة من النور وإطار من الإذعان الإيماني، يلجأ القابعون على الطرف الآخر من المعادلة، طرف مبتكري الحميات أو مروجيها للدين أيضاً، حيث الدق على الأوتار السابق ذكرها لدى الباحثين عن حمية، وبالمرة الساعين لإيجاد سبب مقنع لاستمرارهم على قيد الحياة.
ربط أنظمة غذائية معينة بالإيمان، والتنقيب في النصوص المقدسة عما قد يدعم هذه الخضار، أو تلك الفاكهة أو تلك البقوليات أو هذه السكريات، وصناعة العلاقة بين ما كان يأكله الأنبياء والرسل، والقديسون، وأولياء الله الصالحون، وبين الحمية الغذائية التي يروجون لها أو يبيعونها عملية مضمونة بنسبة مئة في المئة تقريباً. كذلك هي تضرب ثلاثة عصافير بحمية واحدة: عصفور بيع الفكرة، وعصفور المرجعية الإيمانية، وعصفور المكسب بما يرضي الله!


 
أما مستقبل الحميات الغذائية فأبعد ما يكون عن البيض المسلوق أو مزج البروتين بالأليف من دون كربوهيدرات. أغلب الظن أن زمن حمية واحدة للجميع والمتابعين سينتهي، والحساب الصارم للسعرات سيتوقف، وسيطغي اتجاه نحو التغذية الشخصية، كل بحسب حاجاته، وكذلك بحسب مواصفات الجسد المطلوب. إنه زمن الحمية الشخصية.
وعلى رغم عدم وجود قاعدة بيانات عالمية لمعرفة نسبة الأفراد الذين يتبعون حميات غذائية، فإن شركة "إبسوس" لقياسات الرأي العام خلصت إلى أن نحو 45 في المئة من سكان الأرض يسعون بشكل أو بآخر إلى إنقاص وزنهم.
في الوقت نفسه، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 8.2 في المئة من سكان العالم يعانون جوعاً مزمناً، وأن نحو 28 في المئة من السكان لا يحصلون على غذاء كافٍ أو مغذ.


اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=127&id=206246

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc