كيف أسهمت الحروب في تفاقم الدين الأميركي؟
06/06/2026







سيرياستيبس 

تقرير يحذر من أن ارتفاع الدين الأميركي وتسارع الإنفاق العسكري وتمويل الحروب بالاقتراض قد تزيد الضغوط على المالية العامة، على رغم استمرار قوة الاقتصاد والدولار ومكانة سندات الخزانة عالمياً.

على رغم كل التكهنات والتوقعات في شأن وضع الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة، تظل هي القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم، لكن المخاوف من تآكل تلك المرونة تحت عبء الاقتراض المتزايد ربما تهدد تلك المكانة، كما خلص تقرير مطول لصحيفة "فاينانشيال تايمز".

منذ مطلع القرن الحالي "تقترض أميركا من الغد لتمويل حروب اليوم"، وهو وضع قد لا يكون قابلاً للاستمرار، وتراوح تقديرات الدين العام الأميركي ما بين 37 و39 تريليون دولار، وأصبح يشكل نسبة 124 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الأقل.

حتى ما يسمى "الدين المملوك للجمهور"، أي الذي يحمل سنداته مستثمرون أميركيون، تزيد نسبته على 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويصل إلى نحو 32 تريليون دولار.

بالطبع هناك عوامل كثيرة تسهم في ارتفاع الدين العام، سواء لأكبر اقتصاد في العالم بأميركا أو اقتصادات أخرى متقدمة، لكن بالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن الإنفاق العسكري والأمني يتصاعد بقوة في العقود الأخيرة، وتحديداً منذ مطلع هذا القرن، أي بعد أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، وهو ما يركز عليه تحليل الصحيفة وكيف أسهم في تفاقم مشكلة الدين.

على سبيل المثال، فإن كلفة الحرب الحالية على إيران تقدر بنحو تريليوني دولار يومياً ككلف مباشرة على المدى القصير، ناهيك طبعاً بالكلف غير المباشرة وعلى المديين المتوسط والطويل.

ضغط التوسع بأكثر من قدرة الاقتصاد
تقدمت إدارة الرئيس دونالد ترمب للكونغرس بموازنة للدفاع الوطني للعام المقبل 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار، وهذا الرقم هو ضعف موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2020، علماً أن مشروع الموازنة الدفاعية أعد قبل الحرب ولا يتضمن أي كلفة للحرب على إيران.

يشار إلى أن من الطبيعي أن تكون الموازنة الدفاعية لأكبر قوة عسكرية في العالم كبيرة، لكن الفارق مثلاً مع العام الماضي يزيد على نسبة 50 في المئة، فقد كانت الموازنة العسكرية الأميركية عام 2025 عند 900 مليار دولار، وكانت تمثل ثلاثة أضعاف الموازنة العسكرية للصين وتبلغ نسبة 35 في المئة من إجمال الإنفاق الدفاعي في العالم.

يشير التقرير إلى ذكر الرئيس الصيني شي جينبينغ "فخ ثوسيديدس" لدى استقباله ترمب في بكين الشهر الماضي، وكانت الإشارة إلى الفكرة التي طرحها المؤرخ والعسكري اليوناني قبل أكثر من 2000 عام في شأن سقوط أثينا تعني خطر "التوسع بأكثر من القدرات".

أي ببساطة ما قصده الرئيس شي هو أن القوى الكبرى تتدهور إذا زادت الكلفة المالية والعسكرية لضمان الأمن الخارجي لها على القدرة الإنتاجية للاقتصاد المحلي.

والأمثلة على الفكرة متكررة في التاريخ، من انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى انهيار الإمبراطورية البريطانية وانهيار الاتحاد السوفياتي.

لكن الاعتقاد دائماً أن الولايات المتحدة مختلفة، خصوصاً مع مرونة اقتصادها وقوته وقدرته على تحمل الضغوط والصدمات، وهذا ما جعل الاقتصاد الأميركي يستمر في النمو ويتجاوز الأزمات خلال القرن الـ20 كله.

خلال معظم القرن الـ20 كانت الولايات المتحدة في كل صراعاتها الخارجية تستخدم القوة الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق مصالحها.

لكن بداية من التسعينيات بدأت الإدارات المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، في اتباع سياسات تدخل مباشرة، مع ذلك يظل الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصاد في العالم، ويتمتع بأفضل معدل إنتاجية وقدرات ابتكار لا يضاهيها اقتصاد آخر، ولعل الذكاء الاصطناعي مثال على ذلك.

كلفة تمويل الحروب
إلا أن الزيادة الهائلة في الدين العام وعجز الموازنة، إضافة إلى كلفة الحروب المتتالية التي تختارها أميركا، تهدد بجعل هذا الوضع غير مستدام، إذ يستعرض التقرير كلفة الحروب المتتالية وطرق تمويلها، ومعظمها بالاقتراض.

خلال الحرب الكورية عام 1951 قال الرئيس الأميركي هاري ترومان "يمكن أن نتفادى الكلفة المالية للدفاع بالاقتراض، لكن ذلك لن يؤدي إلا إلى ترحيل المشكلة المالية إلى أبنائنا وسيزيد من معدلات التضخم مع عدم العدالة الواضحة في توزيع الأعباء".

وفي مقابل الاقتراض، قال الرئيس ترومان "الأمر المعقول والسليم الذي نفعله هو أن نفرض ضرائب أكبر على أنفسنا لندفع كلفة الدفاع من دخلنا حالياً".


جرى التخلي تماماً عن قاعدة ترومان تلك في العقود الأخيرة، وكما تقول ليندا بايلمس من كلية كينيدي بجامعة هارفرد، فإن طرق تمويل الحروب الأميركية منذ مطلع القرن، في العراق وأفغانستان والمنطقة كلها، أصبحت غير مسبوقة، وكتبت تقول إنه "للمرة الأولى منذ حرب الثورة الأميركية يتم دفع كلفة الحرب كلها من خلال الدين".

تفصل بايلمس أيضاً كيف أن الولايات المتحدة خففت أي رقابة على الإنفاق العسكري باستخدام نظام مخصصات الطوارئ لتمويل العمليات والتلاعب بالنفقات بطرق محاسبية ملتوية وتضمين القطاع الخاص في النشاطات العسكرية الأصيلة، وتصف ذلك بأنه يؤدي إلى "موازنة شبحية".

يقدر مشروع كلفة الحرب لجامعة براون أن إجمال الكلفة والتعهدات المستقبلية للحروب التي تلت الـ11 من سبتمبر 2001 يصل إلى 8 تريليونات دولار بأسعار عام 2021، ولا يتضمن الرقم أي مدفوعات فوائد على الديون، لذا يعتبر تقرير الصحيفة أن كلفة الحروب، إضافة إلى تبعات الأزمة المالية لعام 2008 وأزمة وباء كورونا، جعلت الدين الأميركي يصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1946 عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة.

الديون وعجز الموازنة
كانت آخر مرة شهدت فيها الولايات المتحدة فائضاً في الموازنة ما بين عامي 1998 و2001 في عهد الرئيس بيل كلينتون، لكن ذلك الفائض تبخر في حرب العراق التي شنها خلفه الرئيس جورج بوش الابن.

ووصل العجز في الموازنة حالياً إلى ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يتوقع أن ينخفض في فترة الإدارة الحالية على رغم وعود وزير الخزانة سكوت بيسنت بخفض العجز إلى النصف بنهاية فترة رئاسة ترمب.

القدر الأكبر من الدين العام الأميركي لدى دائنين محليين، من مستثمري السندات كصناديق معاشات التقاعد وصناديق التأمين والصناديق الأخرى، ويملك الأميركيون نسبة 40 في المئة تقريباً من الدين العام، كذلك يملك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) نحو نسبة 11 في المئة من الدين الأميركي عبارة عن سندات على دفاتر البنك.

بينما يملك الأجانب نحو 30 في المئة من الدين الأميركي، وفي مقدم الدول التي بحوزتها القدر الأكبر من سندات الخزانة الأميركية (أداة الدين العام الأميركي الأولى) اليابان وبريطانيا والصين.

في ظل ارتفاع أسعار الفائدة أخيراً، وهي الآن بالكاد أقل من أربعة في المئة، ارتفعت فاتورة فوائد الدين التي تتحملها وزارة الخزانة الأميركية من نسبة 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى نسبة ثلاثة في المئة حالياً، وهذا ما يسهم أيضاً في استمرار نسبة العجز الكبيرة في الموازنة.

وعلى رغم ذلك تظل سندات الخزانة الأميركية الأصل المفضل في سوق السندات، ويسهم ذلك، إضافة إلى استمرار وضع الدولار كعملة احتياط أولى عالمياً، في تقليل المخاوف من أزمة الدين الأميركي.

لكن هناك مؤشرات إلى أن مكانة الدولار بدأت تتراجع، ليس فحسب بسبب تحركات خارجية، وإنما لاختلالات أميركية بالأساس.

كذلك فإن أسواق السندات بدأت تشهد اضطرابات عالمياً، مما دفع كثيراً من البنوك المركزية إلى تعديل محافظ احتياطاتها الأجنبية بشراء الذهب بدلاً من الدولار أو سندات الخزانة الدولارية، إلا أنه حتى الآن لا يوجد بديل يحتل مكانة الدولار العالمية، وما زال العالم، والصناديق الأميركية، يشترون سندات الخزانة، وهو ما يقلل من أخطار انفجار فقاعة الدين الأميركي.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=126&id=205909

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc