من خرنوبة الحميري .. إلى فرصة تنموية في الساحل السوري
03/05/2026
ضمن سلسلة مقالاته لموقع سيرياستيبس الأكاديمي والخبي في السياسات الاقتصادية ابراهيم محمد رؤيا لاقتصاد يمكن أن ينمو في الساحل السوري ويوفر فرص عمل للكثيرين وأبعد من ذلك يمكن أن يتحول الى قطاع تصديري ..
وذلك بالاعتماد على شجرة الخروب ,, اذ تشير بعض التقديرات إلى أن حجم سوق الخروب عالميًا بلغ
نحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، يأتي 80 بالمائة منه من إسبانيا
والبرتغال والمغرب. وفي حال تطوير هذه الزراعة في سوريا، يمكن أن
يتراوح العائد السنوي بين 30 إلى 40 مليون دولار
سيرياستيبس
كتب: الدكتور إبراهيم محمد – برلين
من ذكريات الطفولة في ريف الساحل السوري إلى حقول إسبانيا والبرتغال الحديثة، تكشف قصة شجرة الخروب (الخرنوب كما تُسمى محليًا) عن تحولٍ من موردٍ ريفي بسيط إلى محصول عالمي واعد، وفرصة تنموية ما تزال غير مستغلة في الساحل السوري.
خلال طفولتي في قريتي جنوب شرق اللاذقية، كان معظمنا كأطفال يشارك الأهل في أعمال الزراعة وتربية المواشي، في محاولة لمواجهة الفقر وتأمين الحد الأدنى من لقمة العيش. كنا نرعى الماعز في الأراضي المحيطة بالقرية، ومنها منطقة تُعرف محليًا باسم “فتيح الحميري”. هناك كانت تقف شجرة خروب (خرنوب) معمّرة ، ضخمة وكريمة في إنتاج الثمار، أطلقنا عليها “خرنوبة الحميري". كانت تلك الشجرة علامةً في المكان، ومأوىً للقيلولة في حرّ الصيف، وفي الوقت نفسه مصدرًا للغذاء لنا ولحيواناتنا. كنا نتسلقها لأكل ثمارها، ونرمي ما يتيسر منها للماعز المسترخي تحت ظلها
اختفاء “الخرنوبة" التي كانت سندا لنا
اليوم، لم يعد هناك أثر لخرنوبة الحميري، كما اختفت معظم أشجار الخروب في القرية ومحيطها. هذا المشهد لا يقتصر على قريتي، بل يمتد إلى العديد من قرى الساحل السوري، حيث كانت أشجار الخروب مصدرًا غذائيًا واقتصاديًا مهمًا، تدخل في صناعة منتجات تقليدية مثل دبس الخروب، والدقيق، والعصائر. لكن الإهمال، والتحطيب، والقطع العشوائي، أدت إلى تراجعها بشكل كبير، حتى أصبحت شجرة نادرة في كثير من المناطق.
الخروب في اقتصاد حوض المتوسط
في المقابل، تلعب شجرة الخروب اليوم دورًا متناميًا في اقتصاد دول حوض البحر المتوسط، مثل إسبانيا والبرتغال والمغرب. خلال زياراتي إلى إسبانيا والبرتغال، لفت انتباهي انتشار هذه الشجرة في بساتين الزيتون والتين واللوز، خاصة في أقاليم مثل كاتالونيا الإسبانية ومنطقة الغارف البرتغالية. كما رأيت هناك مزارع منظمة على السفوح الجبلية والأراضي الصخرية الفقيرة، حيث تنجح هذه الشجرة بشكل لافت رغم قسوة البيئة. وفي البرتغال، زرت متاجر صغيرة متخصصة بمنتجات الخروب، مثل الدبس، الشراب، الشوكولا، دقيق الخروب، والصمغ وغيرها. ويتم استخدام مسحوق الخروب بشكل متزايد في الصناعات الغذائية والدوائية، خصوصًا مع التوجه العالمي نحو المنتجات الطبيعية في الأغذية والأدوية والآيس كريم ومشتقات الألبان حسب ما ذكر صاحب أحد المتاجر.
فرصة اقتصادية للساحل السوري
رغم أن الخروب ليس محصولًا استراتيجيًا مقارنة بالزيتون أو القمح أو القطن، إلا أنه يمثل فرصة اقتصادية واعدة في دول حوض المتوسط، ومن بينها سوريا. فالساحل السوري، بما فيه من جبال وأحراج وتربة صخرية وفقيرة، يُعد بيئة مناسبة جدًا لزراعة هذه الشجرة التي لا تحتاج إلى عناية كبيرة، ولا إلى ري مكلف، وتنجح في الأراضي الهامشية.
مع الفقر وارتفاع أسعار الأغذية، ومع تزايد الطلب العالمي على الخروب ومنتجاته، تصبح إعادة إحياء زراعته في الساحل السوري خيارًا تنمويًا مهمًا أيضا للتصدير ورفد الخزينة العامة بعملة صعبة. ورغم أن الشجرة تحتاج إلى 5 إلى 6 سنوات لتبدأ بالإنتاج الاقتصادي الجيد، فإن الجدوى طويلة الأمد تبدو واضحة، لاسيما وأن الشجرة تعمر طويلا.
تشير بعض التقديرات إلى أن حجم سوق الخروب عالميًا بلغ نحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، يأتي 80 بالمائة منه من إسبانيا والبرتغال والمغرب. وفي حال تطوير هذه الزراعة في سوريا، يمكن أن يتراوح العائد السنوي بين 30 إلى 40 مليون دولار، كما هو الحال في البرتغال التي نجحت في تحويل زراعة الخروب إلى جزء من اقتصادها في ساحلها الجنوبي.
الدكتور إبراهيم محمد، أكاديمي وخبير في السياسات الاقتصادية
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=131&id=205491