كيف تتحول مشاعرك إلى وجع؟ قراءة في التحليل النفسي
02/05/2026





سيرياستيبس 

يقدم كتاب "عصاب" تفكيك العلاقة المعقدة بين النفس والجسد، في سياق يومي يعيشه الإنسان المعاصر من خلال رصد حالات واقعية ودراسات علمية، إذ يسلط الضوء على الأمراض "النفسجسدي" بوصفها نتيجة مباشرة لضغوط الحياة الحديثة، إذ تتحول الانفعالات المكبوتة إلى أعراض عضوية، في مشهد يعكس خللاً موجوداً في أعمق فهم الإنسان لذاته، ويعيد طرح العلاقة بين ما يشعر به الإنسان في داخله وما يظهر على جسده في الخارج.

أمضى محمد الغوينم، وهو مؤلف واختصاصي نفسي سعودي، 15 عاماً متنقلاً بين شكاوى الناس وقراءاته المطولة ودراسته الجامعية، قبل إصداره كتاب "عصاب"، الذي حاول فيه إعطاء لمحة عن المأزق الوجودي الذي يعيشه الإنسان، ذلك الكائن الذي لا يزال يكرر تجربة آدم الفاشلة في الخلود والسيطرة.

تستند مقدمة الكتاب إلى مقولة للفيلسوف ألبير كامو "الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته"، ومن هنا ينطلق مفهوم "العصاب" بوصفه نتيجة لصراع داخلي مستمر بين مكونات الشخصية.

وهو صراع لا يهدأ، بل يعاود الظهور في دورات متكررة، منذ اللحظة الرمزية لأكل الثمرة المحرمة، في محاولة لتحقيق التوازن بين الإشباع والانضباط.

ويقارن الكاتب الباحث في التحليل النفسي ذلك بالإنسان البدائي، الذي كان أكثر انسجاماً مع ذاته، عندما يأكل حين يجوع وينام حين يتعب، من دون هذا التعقيد الذي يجعل الإنسان عالقاً بين رغباته وحدوده.

بين خوف المريض وعلاج الطبيب
يصف النص مشهداً يتكرر في العيادات، المرضى غاضبون والأطباء متهمون بسوء التشخيص أو المبالغة في الفحوص.

وبين الطرفين تضيع الحقيقة، فكل منهم يحمل جانباً من الصواب وآخر يحمل جانباً من الخطأ.

يسعى المريض إلى الشفاء ولكنه لا يجده، وقد سئم من تكرار المراجعات والعيادات وتناول المسكنات، بينما يواصل الطبيب البحث في الجسد من دون نتيجة واضحة، لأن مصدر المعاناة لا يظهر في الفحوص التقليدية.

ومع تكرار هذه اللقاءات تتحول العلاقة إلى حالة من الشك المتبادل، إذ يفقد المريض ثقته تدريجاً ويتراجع يقين الطبيب، في ظل غياب تفسير حاسم.
 

لغة الجسد تتكلم بالخفاء
هنا تظهر أمراض "السيكوسوماتي"، "نفسجسدي"، وهي أمراض جسمية ذات جذور نفسية، تظهر على صورة ردود فعل لاستجابات في أجهزة متعددة كالجهاز الهضمي أو القلب أو التنفس أو الجلد، واضطرابات أخرى تشمل الدورة الدموية وجهاز الغدد الصماء وأعضاء الحس المختلفة.

وتنشأ هذه الحالات نتيجة الضغط الانفعالي المستمر الناتج من مشكلات الحياة اليومية التي يعشيها الشخص، إلا أن طريقة استجابة الفرد للمشكلات هي التي تحدد مسارها، فإذا لم يفرغ الانسان انفعالاته بصورة مناسبة لفظية أو جسدية، فإنها تتحول إلى توترات داخلية تتراكم ببطء، وتبدأ بالتأثير في وظائف الأعضاء.

وفي هذا السياق، يبدو الجسد وكأنه يؤدي دوراً بديلاً، يعبر من خلاله عما لم يقل وكأن الإنسان، بدلاً من أن يبكي بعينيه يبكي بأحد أعضاء جسده، فيبدأ الخوف والقلق والغضب والكبت والضغط.

الإحصاءات تكشف عما لا يقال
تشير البيانات البحثية الصادرة من المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية "NCBI"، إلى انتشار واسع لهذه الحالات، كما أظهرت الدراسة أن أكثر من 6600 مريض يجدون صعوبة في التعبير عن المشاعر، إذ بلغ عددهم 64.47 في المئة، وتقلب المزاج 20.55 في المئة، والشعور بالإحباط 15.60 في المئة.

كما ارتبط التوتر بعدد من الأمراض المزمنة مثل الألم العضلي الليفي وداء السكري من النوع الثاني، كما أوضحت دراسة في جامعة كامبريدج "University of Cambridge"، قادتها "ميلاني سلون"، أن التشخيص الخاطئ لا يقتصر أثره على تأخر العلاج، بل يمتد ليؤثر في الحالة النفسية للمريض وثقته بالمنظومة الطبية، إذ أفاد أكثر من 80 في المئة من المرضى بتأثر تقديرهم لذاتهم.


عندما تتحول المشاعر إلى مرض
يتناول الكتاب نماذج متعددة لهذه الأمراض، من بينها "قرحة المعدة"، وهي المرتبطة بالضغوط والصراعات الداخلية، التي تتشكل مع استمرار الحالة الانفعالية الضاغطة، إذ يؤدي ذلك إلى زيادة نشاط المعدة وإفرازاتها حتى في غياب الحاجة الفعلية للهضم، مما قد يسبب التهابات قد تتطور مع الوقت حتى يصبح نزفاً.

ويرتبط هذا النمط من الاضطراب بحالات نفسية متكررة مثل الشعور بالذنب والصراعات العائلية والعمل تحت ضغط مستمر وقمع الرغبات، وهي عوامل تتراكم تدريجاً وتنعكس على وظيفة الجهاز الهضمي.

كما تندمج هذه الحالة بعوامل أخرى في الجهاز الهضمي كالإسهال أو الإمساك، وهي دلالات نفسية مرتبطة بالتجارب المبكرة، خصوصاً تلك التي تتصل بأسلوب التنشئة والضغوط المصاحبة لها، إذ يرى التحليل النفسي أن هذه الاستجابات تعود لخبرات الطفولة الأولى، وما يصاحبها من مشاعر القلق أو الشعور بالذنب أو فقدان السيطرة.

كما تبرز "قرحة القولون" بوصفها من أبرز ضحايا التوتر النفسي، إذ ترتبط بما يصفه "التحليل الفرويدي" بالعودة لمراحل مبكرة من نمو الطفل، إذ تتجدد الصراعات الداخلية في لحظات الضغط، وتظهر في صورة اضطرابات جسدية متكررة.

وفي السياق نفسه ترتبط "السمنة المفرطة "بعوامل نفسية، إذ يؤدي القلق المزمن والانفعال الزائد إلى تعطيل الإحساس بالشبع، نتيجة ارتباط الانفعال والشبع في الدماغ، مما يدفع الفرد إلى تناول كميات كبيرة من الطعام من دون إدراك حقيقي لحاجته، إذ أثبتت الأبحاث العلمية أن 60 في المئة من حالات السمنة ترجع إلى سبب نفسي بحت، وهو ما أشار إليه محللون نفسيون مثل "كفرويد" و"يونغ"، الذين ربطوا هذه السلوكيات بدوافع لا شعورية مرتبطة بالحالة النفسية.

ويمتد ذلك إلى الأمراض الجلدية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية، إذ تظهر الانفعالات بصورة مباشرة على سطح الجسد كاحمرار الوجه عند الخجل أو التعرق عند القلق ووقوف الشعر في حالات الرعب، كما قد تتخذ هذه الاضطرابات أشكالاً أكثر تعقيداً مثل الحكة أو نتف الشعر أو الخوف المرضي من الأمراض الجلدية، وهي حالات ترتبط بالكبت والانفعال غير المعبر عنه، وتعكس حاجة داخلية غير مشبعة، سواء للحب أم للدعم أم للتعبير، فيتحول الجسد إلى وسيلة يعبر بها الفرد عن هذه الحالات بصورة غير مباشرة.

تفاصيل الحياة تصنع الألم
لا يقف الطرح عند حدود الأعراض أو التشخيص، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فالمشكلات المتكررة والعلاقات المتوترة وضغط العمل كلها تتحول تدريجاً إلى عبء داخلي يتراكم من دون مخرج واضح، ومع مرور الوقت لا تعود هذه التوترات حالات عابرة، بل تتحول إلى نمط مستمر ينعكس على الجسد في صور متعددة، تبدأ بصورة خفيفة ثم تتصاعد تدريجاً.

وفي نهاية المطاف، الكتاب لا يفصل بين ما هو نفسي وما هو عضوي، بل يقدمهما كوجهين لحالة واحدة تتشكل عبر الزمن، فالألم لا يبدأ دائماً من الجسد، والشفاء لا يكتمل بمجرد اختفاء الأعراض.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=144&id=205480

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc