التمويل غير المصرفي تحت المجهر: أخطار السيولة تتقدم على الائتمان
14/04/2026




سيرياستيبس 

انطلقت اليوم الإثنين في العاصمة الأميركية واشنطن الاجتماعات السنوية الربيعية لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي تستمر حتى الـ 18 من أبريل (نيسان) الجاري، بمشاركة واسعة من صناع السياسات المالية ومحافظي البنوك المركزية ووزراء المالية والتنمية، إضافة إلى ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني والأكاديميين، بهدف بحث أوضاع الاقتصاد العالمي وتحدياته الراهنة.

وتأتي هذه الاجتماعات في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط التي تلقي بظلالها على النقاشات الجارية، بخاصة بعد فشل المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي عُقدت في باكستان أول من أمس السبت في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة.

وتركز الاجتماعات الحالية على تحليل نتائج تلك المفاوضات وتقييم انعكاساتها الاقتصادية، إضافة إلى بحث أفضل السبل التي يمكن للحكومات والبنوك المركزية من خلالها دعم اقتصاداتها في مواجهة التحديات المتصاعدة، من دون التسبب في أزمات إضافية أو اختلالات جديدة في النظام الاقتصادي العالمي.

ويناقش صنّاع السياسات الاقتصادية تداعيات التوترات الجيوسياسية المتكررة في ظل أجواء تعيد للأذهان اجتماعات سابقة هيمنت عليها قضايا التعرفات الجمركية والسياسات التجارية، والتي ارتبطت بتداعيات قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التجارة العالمية والنمو الاقتصادي، وكذلك تقييم الأضرار الاقتصادية الناتجة من الحرب في إيران على معدلات النمو، لا في الشرق الأوسط وحسب بل على مستوى الاقتصاد العالمي، إضافة إلى مناقشة قضايا التجارة والتكنولوجيا واضطرابات سلاسل الإمداد والغذاء في ظل استمرار التصعيد العسكري، فيما يؤكد المشاركون أن المرحلة الحالية تتطلب استجابة منسقة من المؤسسات المالية والحكومات لمواجهة التداعيات المتشابكة بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية، بما يضمن استقرار الأسواق العالمية وتقليل الأخطار المستقبلية.

واُفتتحت اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بانطلاق "المؤتمر الثالث لصندوق النقد الدولي والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية" حول التمويل القائم على السوق، إذ يضم المؤتمر 14 متحدثاً بارزاً قدموا رؤاهم حول هذه القضايا الملحة، وشارك كبار المتحدثين من قطاعي الصناعة والسياسات في مناقشات حول الاتجاهات الرئيسة في ترميز المنتجات المالية وتسهيل وصول المستثمرين الأفراد إليها.

وذكر الصندوق خلال المؤتمر أن التقنيات والمنتجات الجديدة في الأسواق المالية تعيد تشكيل كيفية توزيع الأخطار في أسواق رأس المال، ويرى أن هذه التغييرات تتيح فرصاً للنمو والكفاءة ولكنها تشكل أيضاً تحديات للاستقرار المالي.

الجلسة الأولى للمؤتمر أدارها المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية وأسواق رأس المال في صندوق النقد الدولي توباياس أدريان، وشارك في مناقشات الجلسة الرئيس التنفيذي لهيئة السلوك المالي (FCA) في المملكة المتحدة نخيل رثي، والمديرة العامة وكبيرة إستراتيجيي الاستثمار للثروات العالمية في شركة "كيه كيه آر" بولا كامبل روبرتس، ورئيس قسم الوساطة في شركة "روبن هود" ستيفن كوريرك، ورئيس مجلس الأوراق المالية والبورصات في الهند (SEBI) تاهين كانت باندي، والرئيس العالمي للائتمان الخاص في وكالة "موديز" مارك بينتو، وناقشوا التحديات المتزايدة في قطاع التمويل القائم على السوق إذ تركزت المداخلات على أخطار السيولة، مؤكدين الحاجة إلى أطر تنظيمية أكثر توازناً تواكب الابتكار وتحد من الأخطار.

آلية جديدة لتوجيه المدخرات نحو الاستثمار
الرئيس التنفيذي لهيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة نخيل رثي قال إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد البريطاني تتمثل في وجود كميات هائلة من المدخرات غير المستغلة، وبخاصة في صناديق التقاعد وحسابات الأفراد، موضحاً أن التقديرات تشير إلى وجود 600 مليار جنيه إسترليني (807.6 مليار دولار) من الأموال النقدية المحتفظ بها داخل حسابات الأفراد، في وقت تعاني البلاد حاجات كبيرة لتمويل مشاريع البنية التحتية، وهو ما يطرح تساؤلاً حول كيفية ربط هذه المدخرات بفرص الاستثمار المتاحة.

وأشار رثي إلى أن "تجارب سابقة واجهت مشكلات تتعلق بعدم التوازن بين السيولة والاستثمار طويل الأجل، بخاصة في ما يُعرف برأس المال طويل الأجل، مما دفع الهيئة إلى تطوير صندوق استثماري جديد مخصص للأصول طويلة الأجل"، مبيناً أن "هذا الصندوق يتميز بعدم السماح بالتداول اليومي، إذ يمكن للمستثمرين الدخول أو الخروج مرة واحدة شهرياً فقط مع اشتراط إخطار مسبق لا يقل عن 90 يوماً، وذلك لتقليل الأخطار المرتبطة بالسيولة."

وتحدث رثي عن أن إدارة الأخطار في الصندوق تجري بصورة حذرة، إذ يُسمح باستخدام الرافعة المالية بنسبة لا تتجاوز 30 في المئة من صافي قيمة الأصول، مع اشتراط أن يكون أكثر من نصف الاستثمارات موجهاً نحو الأصول الخاصة، مضيفاً أن "الصندوق كان متاحاً في البداية للمؤسسات مثل صناديق التقاعد لكنه بدأ أخيراً في جذب استثمارات من الأفراد أيضاً، وبخاصة بعد السماح لحسابات الادخار الاستثمارية المعفاة من الضرائب بالمشاركة فيه مع بداية السنة الضريبية في السادس من أبريل الجاري، مؤكداً أن زيادة وعي المستثمرين الأفراد بمفاهيم مثل قيود السحب وإدارة السيولة أصبح عاملاً مهماً في نجاح هذه الأدوات الاستثمارية، وبات المستثمرون أكثر فهماً لطبيعة الأخطار والعوائد المرتبطة بها مقارنة بالأعوام الماضية".

وفي ما يتعلق بالرقابة أشار رثي إلى أن الهيئة ركزت بصورة كبيرة على الاستثمارات في الأصول الخاصة، لافتاً إلى أن أبرز التحديات التي واجهتها كانت تتعلق بتقييم هذه الأصول بشكل دقيق وشفاف.

حجم سوق الائتمان الخاص في الهند
أما رئيس مجلس الأوراق المالية والبورصات في الهند تاهين كانت باندي فقال إن سوق الائتمان الخاص في بلاده لا تزال صغيرة نسبياً لكنها تشهد نمواً متسارعاً يعكس توسع دور التمويل البديل في دعم الاقتصاد، موضحاً أن حجم سوق الائتمان الخاص يقدر بما بين 25 و30 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 0.6 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للهند، وحوالى 1.2 في المئة من إجمال الإقراض المؤسسي، على رغم أنه سجل نشاطاً ملاحظاً في الصفقات بلغ 12.4 مليار دولار عبر 166 صفقة خلال عام واحد، مع نمو سنوي وصل إلى 35 في المئة.


وبيّن تاهين أن هذا النمو يتركز بصورة أساس في قطاعات العقارات والرعاية الصحية والصناعات، مما يعكس توسع الطلب على التمويل خارج القنوات المصرفية التقليدية، مؤكداً أن الإطار التنظيمي الذي تشرف عليه هيئة الأوراق المالية والبورصات الهندية يتعامل بحذر مع الاستثمارات البديلة، وبخاصة تلك المرتبطة بالأصول غير السائلة، إذ سيجرى تقييد وصول المستثمرين الأفراد إليها أو فرض ضوابط صارمة في حال السماح بذلك.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الاستثمار في هذه الأدوات المالية يُسمح به فقط للمستثمرين الذين يمتلكون خبرة مالية كافية أو قدرة مالية عالية أو ما يُعرف بالمستثمرين المؤهلين، لضمان فهمهم للأخطار المرتبطة بهذه الاستثمارات، موضحاً أن صناديق الاستثمار الخاصة تعمل ضمن إطار "صناديق الاستثمار البديلة"، وهي صناديق مغلقة لا تسمح بالانسحاب الباكر، إذ تجمع الأموال من المستثمرين الذين يلتزمون بفترات استثمار طويلة، ولا يمكن استرداد الأموال إلا عند انتهاء عمر الصندوق، مشدداً على وجود حد أدنى للاستثمار مع متطلبات مالية أو خبرات محددة للمستثمرين المؤهلين، مما يضمن حصر هذه الأدوات في فئات قادرة على تحمل الأخطار.

وأكد رئيس مجلس الأوراق المالية الهندي أن اللوائح التنظيمية تشمل أيضاً معايير إفصاح دقيقة وقواعد صارمة لتقييم الأصول، إضافة إلى قيود واضحة على استخدام الرافعة المالية، إذ يُمنع على هذه الصناديق الاقتراض بهدف الاستثمار لتجنب انتقال الأخطار إلى النظام المالي الأوسع، مشيراً إلى أن الائتمان الخاص يلعب دوراً مكملاً للبنوك والأسواق التقليدية، إذ يموّل قطاعات قد لا تحصل على تمويل كاف من القنوات المصرفية أو أسواق السندات، مما يعزز توفر السيولة لحاجات الشركات، موضحاً أن وجود مصادر متعددة لرأس المال يسهم في دعم النمو الاقتصادي في الهند في ظل الطلب المتزايد على التمويل في قطاعات التنمية، ليختم بأن الهيئة تعمل أيضاً على تصميم أدوات استثمارية آمنة تتيح للمستثمرين الأفراد المشاركة في قطاعات حيوية مثل العقارات والبنية التحتية مع ضمان وجود حماية تنظيمية كافية، نظراً إلى أن هذه القطاعات تمثل أساس التنمية في الاقتصادات الناشئة.

مشكلة السوق في أزمة السيولة
من جانبه قال الرئيس العالمي للائتمان الخاص في "وكالة موديز" مارك بينتو إن المشكلة الحالية في السوق ليست أزمة ائتمان بل أزمة سيولة، محذراً من أنها إذا استمرت فقد تتحول إلى مشكلة ائتمان، موضحاً أن استمرار الضغوط على السيولة قد يؤدي لاحقاً إلى تعثرات حقيقية وخسائر ائتمانية، متحدثاً عن ترابط النظام المالي مما يزيد أخطار العدوى وأن أية صدمة قد تنتقل بسرعة عبر النظام المالي، في حين ركزت كبيرة إستراتيجيي الاستثمار للثروات العالمية في شركة "كيه كيه آر" بولا كامبل روبرتس على قضية سلوك المستثمرين والأخطار غير الظاهرة في الأسواق الخاصة، وقالت إنها تشمل فجوة التوقعات لدى المستثمرين، مشددة على أن كثيراً من المستثمرين الأفراد لا يدركون طبيعة السيولة المحدودة في الائتمان الخاص، وأن هذا يخلق فجوة بين التوقعات (إمكان السحب) والواقع (أصول طويلة الأجل وغير سائلة).

أما الخطر الثاني، بحسب قولها، فيكمن في وهم الاستقرار، إذ أوضحت أن الأداء المستقر ظاهرياً في الأسواق الخاصة قد يكون مضللاً بسبب عدم التسعير اليومي، مما يجعل التقلبات أقل وضوحاً مقارنة بالأسواق العامة.

وشددت روبرتس على أهمية دور مديري الأصول وأنه أصبح أكثر حساسية، مؤكدة أن مديري الأصول يتحملون مسؤولية أكبر في إدارة السيولة وتوضيح الأخطار للمستثمرين مع توسع المنتجات الموجهة للأفراد، حاثة على أهمية الشفافية والتواصل وتحسين الإفصاح وتبسيط المعلومات للمستثمرين، مضيفة أن "الخطر في الائتمان الخاص ليس فقط في الأصول نفسها بل في كيفية فهم المستثمرين لها، وبخاصة عندما يبدو كل شيء مستقراً بينما الأخطار تتراكم تحت السطح".

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=126&id=205227

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc