كيف هزت حرب إيران سوق "الذهب الأحمر"؟
31/03/2026




سيرياستيبس 

تتسع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لتتجاوز النفط والممرات البحرية، وتمتد إلى سلع غذائية عالية القيمة، في مقدمها الزعفران، مع تصاعد الاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.

وبدأت الأسواق ترصد اختلالاً في الإمدادات مع تعطل الشحنات من إيران، التي تهيمن على ما بين 85 و90 في المئة من الإنتاج العالمي، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، بإنتاج يقترب من 400 طن سنوياً حتى 2025. كذلك بلغت صادراتها نحو 210 أطنان بقيمة تقارب 190 مليون دولار خلال العام نفسه، على رغم تراجع نسبي بفعل تحديات اقتصادية ولوجيستية.

هذا التركّز الحاد في الإنتاج يحول أي تصعيد جيوسياسي سريعاً إلى أزمة إمداد. ومع تعطل حركة الشحن عبر الخليج، تعتمد الأسواق حالياً على مخزونات سابقة، في وقت تشير تقارير إلى أن المعروض في روسيا يستند إلى شحنات دخلت في ديسمبر (كانون الأول)، وسط توقعات بتراجع تدريجي والاتجاه نحو بدائل من المغرب وإسبانيا.

تكاليف وقلق
في الصين، بدأ القلق ينتقل إلى قطاع الأعمال، إذ طرح مستثمرون تساؤلات مباشرة على شركات مدرجة حول تأثر إنتاجها، خصوصاً في الصناعات الدوائية التي تعتمد على الزعفران كمكون أساسي، في مؤشر إلى اتساع نطاق الأزمة من التجارة إلى التصنيع. واتجهت بعض الأسواق إلى البحث عن مصادر بديلة، لكن الخيارات المتاحة لا تزال محدودة.

وتشير تقارير روسية وأوروبية إلى ارتفاع أسعاره إلى الضعف مع اهتمام متزايد للاعتماد على الزعفران المغربي والإسباني والأفغاني، غير أن هذه البدائل مجتمعة لا تملك القدرة على سد الفجوة التي يتركها غياب الإمدادات الإيرانية. فالإنتاج المغربي، على رغم جودته في مناطق مثل تليوين، يبقى محدود الحجم، بينما يظل الإنتاج في إسبانيا وأفغانستان أقل من حيث الكميات أو الاستقرار في التوريد.

تعمل السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030 على تطوير زراعة الزعفران عبر مشاريع بحثية وتقنيات حديثة مثل الزراعة العمودية والتحكم بالمناخ، في إطار استكشاف جدوى التوسع مستقبلاً. وتشمل هذه الجهود دراسات في أربع مناطق هي الرياض والقصيم وتبوك والباحة، مع التركيز على تحديد الظروف المثلى للإنتاج من دون الوصول إلى مرحلة الاكتفاء. وتواصلت "اندبندنت عربية" مع المركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة (استدامة) من دون تلقي رد حتى الآن.

شبكة معقدة
لا يصل الزعفران الإيراني إلى الأسواق العالمية دائماً عبر قنوات مباشرة، بل يمر في كثير من الحالات عبر شبكة معقدة من الوسطاء، في ظل العقوبات المفروضة على طهران، التي تدفع إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة بطرق غير تقليدية.


وتظهر بيانات قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية ومركز التجارة الدولية فجوة واضحة بين حجم الإنتاج المحلي لبعض الدول وحجم صادراتها، ما يعكس دورها كمراكز لإعادة التصدير. فدول مثل الإمارات العربية المتحدة وتركيا تمثل نقاط عبور رئيسة، إذ يُعاد تصدير الزعفران بعد دخوله من إيران ضمن سلاسل تجارة إقليمية معقدة.

وفي أوروبا، تلعب إسبانيا دوراً محورياً في هذه الشبكة، إذ تستورد كميات من الزعفران، تعاد تعبئتها وتسويقها لاحقاً في الأسواق الأوروبية والعالمية، مستفيدة من مكانتها التاريخية في تجارة هذه السلعة، على رغم أن إنتاجها المحلي محدود مقارنة بإيران.

وتشير تقارير المفوضية الأوروبية ودراسات صادرة عن International Trade Centre إلى أن إعادة التعبئة والتصنيف التجاري تجعل من الصعب تتبع المنشأ الحقيقي للزعفران في بعض الحالات، إذ قد يصل إلى المستهلك النهائي بهوية مختلفة عن مصدره الأصلي.

كذلك تظهر مسارات أخرى عبر الهند وأفغانستان، إذ يدخل الزعفران الإيراني ضمن سلاسل التوريد ثم يعاد تصديره، أحياناً تحت تسميات مختلفة، سواء لأسباب تجارية أو لتجاوز القيود المفروضة.

وفي سياق الحرب الحالية، تزداد هذه المسارات تعقيداً. فتعطل الشحن المباشر وارتفاع تكاليف التأمين والنقل يدفعان التجار إلى الاعتماد بشكل أكبر على الوسطاء، ما يرفع الأسعار ويزيد من هامش عدم اليقين في السوق.

وبذلك، لا تعكس أزمة الزعفران نقص الإنتاج بقدر ما تكشف هشاشة شبكة توزيعه العالمية، التي تعتمد على مسارات غير مباشرة يمكن أن تتعطل بسهولة في أوقات التوترات الجيوسياسية، وهو ما يضاعف أثر الحرب على سلعة تبدو صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في تأثيرها الاقتصادي.

ترتبط الأزمة بطبيعة الزعفران نفسه، إذ يصعب تعويض نقصه في المدى القصير. فإنتاج كيلوغرام واحد يتطلب قطف ما يقارب 150 ألف زهرة يدوياً خلال موسم زراعي قصير، ما يجعل المعروض محدوداً بطبيعته وغير قابل للتوسع السريع عند حدوث اضطراب.

اقتصاد الزعفران
يمثل الزعفران أحد أبرز الصادرات غير النفطية لإيران، ما يمنحه وزناً إضافياً في سياق الحرب، إذ لا يقتصر تأثير تعطله على الأسواق العالمية، بل يمتد إلى الداخل الإيراني مع تراجع أحد مصادر العملة الصعبة.

وتقدر عائداته بمئات ملايين الدولارات سنوياً، مع تصديره إلى عشرات الدول. وعلى رغم أن حجمه لا يقارن بعائدات الطاقة، فإن أهميته تكمن في تنويع مصادر الدخل، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية التي تحد من قدرة طهران على بيع النفط بحرية.

تتركز زراعة الزعفران في إقليم خراسان، حيث توفر هذه الصناعة دخلاً رئيساً لمئات آلاف الأسر، وتدعم اقتصاداً ريفياً يعتمد على محاصيل منخفضة استهلاك المياه، في بلد يعاني ضغوطاً مائية متزايدة. هذه الميزة تجعل الزعفران خياراً استراتيجياً، إذ يجمع بين القيمة العالية وسهولة التخزين والنقل مقارنة بمحاصيل أخرى.

لكن هذا القطاع لا يعمل في ظروف طبيعية بالكامل. فالعقوبات دفعت إيران إلى تطوير شبكات تصدير غير مباشرة، إذ يُعاد تصدير جزء من الزعفران عبر دول وسيطة مثل إسبانيا أو الإمارات، أحياناً تحت علامات تجارية غير إيرانية. هذا الالتفاف يعكس مرونة الاقتصاد الإيراني، لكنه يقلل في الوقت نفسه من القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها طهران لو سيطرت على سلسلة التوريد بالكامل.

وعلى مستوى السوق العالمية، تتجه مؤشرات سوق الزعفران إلى ارتفاع طويل الأمد. إذ تُقدّر تقارير Future Market Insights وStraits Research قيمة سوق الزعفران بين 600 و700 مليون دولار في 2025، مع توقعات بتجاوز مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بالطلب في الصناعات الغذائية والطبية والتجميلية.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=145&id=205069

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc