اقتصاد سوريا في منعطف التاريخ.. قراءة في “خريطة طريق” برلين وشروط العبور للمستقبل
31/03/2026
سيرياستيبس
من قلب برلين، يبدو ان ملامح رؤية اقتصادية سورية جديدة تسعى لكسر قيود اقتصاد الحرب والاندماج في سلاسل التوريد العالمية، إلا أن العبور نحو هذا المستقبل يظل رهيناً بجملة من الإصلاحات الهيكلية وشروط ترميم الثقة المفقودة
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أكد أن المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم تمثّل منعطفاً تاريخياً يتجاوز في تحدياته مجرد إعادة بناء الحجر، ليمتد إلى ضرورة إعادة هيكلة النموذج الاقتصادي السوري ذاته، فبعد عقود من هيمنة الدولة كموزع رئيسي للموارد، وسنوات مريرة من “اقتصاد الحرب” القائم على الميليشيات الاقتصادية والاعتماد على التهريب والوقود كعملة موازية، يبرز اليوم توجّه استراتيجي جديد يقوم على مثلث “الانفتاح، الإصلاح، والشراكة”.
ولفت محمد إلى أن الخطاب الذي أطلقه وزير الاقتصاد والصناعة، الدكتور نضال الشعار، من العاصمة الألمانية برلين، يحمل دلالات عميقة تهدف لنقل الملف الاقتصادي من حيّز “الإدارة الأمنية” إلى رحاب “التكامل الدولي”، وهو ما يتطلب قراءة تحليلية معمّقة لمضامين هذا التحول الاستراتيجي.
من الانكماش القسري إلى الاندماج العالمي.
يمثّل الانتقال من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد المرحلة الانتقالية” استعادة الدولة لدورها التنظيمي، ولكن وفق نموذج يقطع مع “الدولة الريعية” التي سادت قبل عام 2011، ويرى أن كلمة “الانفتاح” هنا لا تتوقف عند حدود تحرير التجارة، بل تمتد لتشمل الاندماج الفعلي في سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يفرض إصلاحات مؤسسية ومواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية الصارمة، ولا سيما في مجالات الملكية الفكرية، ومكافحة غسل الأموال، والشفافية المالية؛ وهي تحديات جسيمة في ظل العقوبات المفروضة.
وفي هذا السياق، برأي محمد، لم يكن اختيار ألمانيا كشريك عشوائياً، فهي القوة الاقتصادية المهيمنة أوروبياً، وتمثّل نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي يمكن أن يكون مرجعاً ملهماً لسوريا، وخاصة أن ألمانيا تمتلك دوافع سياسية وإنسانية مرتبطة بملف اللاجئين، مما يجعلها شريكاً تجارياً تاريخياً قادراً على إعادة ضخ الاستثمارات التي كانت تشكّل 10 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأوروبية قبل عام 2011، لإعادة هندسة العلاقة على أسس اقتصادية ندّيّة بعيداً عن منطق المساعدات.
ترميم الثقة وهندسة “قواعد اللعبة”
نوه أستاذ الاقتصاد بإن الجوهر الحقيقي للمرحلة لا يقتصر على “إعادة الإعمار” بوصفها عملية فيزيائية لاستبدال الأصول المادية، بل يشمل “بناء المؤسسات” التي تضع قواعد اللعبة المحفّزّة للاستثمار. فالثقة الاقتصادية هي السلعة الأندر في سوريا اليوم بعد سنوات من التضخّم وتعدّد أسعار الصرف، وترسيخها يتطلب ثلاثة عناصر لا غنى عنها: استقرار نقدي عبر توحيد سعر الصرف، وحوكمة رشيدة لمكافحة الفساد، ووضوح تنظيمي وقانوني.
وأكد محمد أنه ومن دون هذه الركائز، سيبقى أي حديث عن إعادة الإعمار مجرد إنفاق رأسمالي يفتقر للعائد التنموي، ومن هنا تأتي الدعوة الموجّهة للشركات الألمانية للدخول في شراكات طويلة الأمد، وهي دعوة تتطلب تقديم ضمانات قانونية تفصل الكيانات الاقتصادية الجديدة عن قوائم العقوبات (قانون قيصر)، مع تقديم حزمة حوافز تنافسية تشمل المناطق الصناعية الخاصة وتأمين الطاقة بأسعار مشجّعة، لجذب المستثمر الألماني المعروف بنهجه المحافظ الذي يفضّل البيئات المستقرة.
الجسر المغترب
وفي قراءة لمنظور اقتصاديات التنمية، أوضح محمد أنه تبرز الجالية السورية في ألمانيا كـ “رأس مال بشري” مهاجر يضم نخبة من المهندسين والأكاديميين، يمكن تحويلهم إلى “رأس مال استثماري” يلعب أدواراً حاسمة بدءاً من التحويلات المالية المستقرة لدعم ميزان المدفوعات، وصولاً إلى نقل المعرفة والضغط على صنّاع القرار الألماني لدعم الانفتاح، ولكن تحقيق ذلك برأيه مرهون بتسهيل إجراءات الاستثمار لهذه الشريحة وضمان أمنها القانوني، وتكتمل هذه الرؤية بطرح برامج تدريبية مشتركة تتبنى نموذج “التوءمة المؤسسية” والتعليم المهني المزدوج المعمول به في ألمانيا، لسد فجوة المهارات الحادة التي خلّفتها الحرب، وبناء جيل قادر على التعامل مع خطوط الإنتاج الحديثة والتحوّل الرقمي الذي يعد مفتاح الشفافية في القطاعين الحكومي والمصرفي نحو شراكات إنتاجية وتكامل مستدام.
ويرى محمد أن مجالات التعاون المقترحة في الصناعة والزراعة والطاقة واللوجستيات تمثّل “الميزة النسبية” لسوريا، حيث تبرز الحاجة لإعادة تشغيل المناطق الصناعية بمنطق التخصص، والاستفادة من الخبرة الألمانية في الري الحديث والطاقة المتجدّدة لمواجهة عجز الطاقة والمياه، موضحاً أن الهدف النهائي هو الانتقال من “التبادل التقليدي” (مستورد-مصدر) إلى “الشراكة المتكاملة” والإنتاج المشترك ضمن سلاسل القيمة العالمية، بحيث يتم تصنيع أو تجميع المكوّنات محلياً، مما يحسّن الميزان التجاري، شريطة توفير بنية تحتية للجودة ومختبرات معايرة بمواصفات أوروبية، مشدداًعلى أن هذه العلاقة المستقبلية يجب أن تقوم على الطموح المشترك والندية الاقتصادية، لا على “الضرورة” أو المساعدات، وهو ما يتطلب جاهزية سورية تُقاس بالاستقرار الكلي والإطار القانوني العصري.
ختاماً، إن خطاب برلين هو “خريطة طريق” طموحة تنتقل من إدارة الندرة إلى هندسة التنمية، لكن الفجوة مع الواقع لا تزال تتطلب ركائز ثلاث: تقدّم ملموس في الملف السياسي لرفع العقوبات وتأمين المستثمر ضد المخاطر غير التجارية، وتأهيل رأسمال بشري لمواكبة نقل التكنولوجيا، وتقديم نموذج اقتصادي تنافسي يدمج سوريا بسلاسل التوريد العالمية، و التحدي الحقيقي يبقى في التنفيذ وترجمة الكلمات إلى إجراءات على الأرض، لخلق بيئة موثوقة تجعل من ألمانيا شريكاً استراتيجياً حقيقياً في السنوات الثلاث المقبلة.
الوطن
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=110&id=205065