اسرائيل تعد تركيا "العدو القادم" بعد إيران... فمم تتخوف؟
26/03/2026
سيرياستيبس
في الوقت الذي يزداد القلق من انزلاق المنطقة برمتها إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، رفعت تركيا مستوى جاهزيتها العسكرية تحسباً لأي تطورات قد تمس أمنها القومي. وإلى جانب تعزيز وجودها العسكري شمال قبرص عبر نشر ست مقاتلات من طراز "أف-16"، أعلنت وزارة الدفاع التركية نشر منظومة دفاع جوي صاروخي متطور بعيد المدى "باتريوت" في ملاطيا جنوباً لتعزيز قدرات دفاعها الجوي والصاروخي في مواجهة أي تهديدات محتملة، قد تطال مجالها الجوي مع اتساع دائرة التصعيد. وعلى رغم أن التوجهات التركية الواضحة لرفع مستوى الاستعداد الدفاعي جاءت في إطار تنسيق مع حلف شمال الاطلسي" الناتو"، فإنها حملت دلالات أمنية وعسكرية خطرة لدى إسرائيل، وراح عشرات الوزراء والمسؤولين والمحللين الإسرائيليين لاعتبار تركيا "العدو القادم"، بعد إيران، خصوصاً أن القدرات الدفاعية التركية المتقدمة في مختلف المجالات من الطائرات المسيرة إلى الدبابات والمدافع البحرية، جعلتها خلال الأعوام الأخيرة واحدة من اللاعبين الرئيسين في سوق الأسلحة العالمي.
وحذر تقرير الهيئة الاستشارية التابعة للحكومة الإسرائيلية المعنية بتقييم مخاطر الأمن القومي، (لجنة ناجل) من أن سياسة أنقرة الهادفة إلى إعادة بناء نفوذها في المنطقة، تشكل "خطراً استراتيجياً متزايداً" على إسرائيل، داعياً حكومة تل أبيب إلى الاستعداد لاحتمال اندلاع صراع مباشر مع تركيا. وبحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة Areda Survey تحت عنوان "الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية التركية" فإن 60.1 في المئة من المشاركين يعتقدون أن إسرائيل قد تهاجم تركيا يوماً ما، في حين أكد 54.7 في المئة من المشاركين أن معرض الصناعات الدفاعية الدولي الذي أقيم في إسطنبول العام الماضي، منحهم ثقة ضد التهديدات الخارجية.
أظهرت تركيا قدرة فائقة على تحقيق استقلالية عسكرية وباتت أحد المصدرين الرئيسين للأسلحة في السوق العالمية (الجيش التركي)
تصاعد التوترات
وعلى رغم تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت المثيرة للجدل، التي قال فيها إن تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة، محذراً من مساع تقودها أنقرة وفق تعبيره "لبناء محور سني معاد يهدف إلى محاصرة إسرائيل". أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر، أن احتمالية اندلاع صدام مباشر بين تركيا وإسرائيل تعد ضئيلة للغاية، خصوصاً بعد أن قامت بإنشاء قنوات اتصال وتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، لتجنب أي تصعيد أو الوصول إلى وضع غير مرغوب فيه. ولفت إلى أن أي توترات أو صراعات محتملة يجري التعامل معها بحذر شديد من خلال القنوات الدبلوماسية والعسكرية، لتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة. وأكد في الوقت نفسه أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة أثر بصورة كبيرة على العلاقات بين تركيا وإسرائيل. ووفقاً لمسؤولين في مركز "سيتا" التركي للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن أنقرة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الغرب ومصالحها الإقليمية، مع الإبقاء على إمكانية لعب دور وسيط دبلوماسي في حال توفرت الظروف المناسبة. وهو ما أكدته الباحثة الإسرائيلية جاليا ليندنشتراوس من "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي مطلع الشهر الجاري، حين كتبت في مقال أن تركيا، التي تُعد منافساً استراتيجياً لإسرائيل في بعض الساحات الإقليمية، لا ترغب في الانخراط العسكري المباشر ضد إيران ولا في سقوط النظام، خشية التداعيات الأمنية المحتملة التي قد تؤدي إلى تصاعد المسألة الكردية أو اضطراب التوازنات الإقليمية. وبحسب التقديرات الإسرائيلية المتشائمة التي نشرتها صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية، فإن الخطاب التركي لا يزال يتسم بانتقادات حادة إلى تل أبيب. وفي الوقت الذي يواصل فيه مسؤولون أتراك اتهام إسرائيل بزعزعة الاستقرار في المنطقة، لم تدن تركيا إطلاق الصواريخ الإيرانية على أراضيها واكتفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالتأكيد على تجنب الانخراط في الحرب والتعهد بعدم الانجرار وراء "الاستفزازات والمؤامرات" بحسب تعبيره، بعد اعتراض حلف شمال الأطلسي (الناتو) صاروخاً ثالثاً أُطلق من إيران خلال الحرب الجارية. وترى الباحثة في معهد "هدسون" الأميركي زينب ريبوع أن الحرب على إيران "ستغير من دون شك مكانة تركيا بصورة كبيرة". فمن وجهة نظرها "سيفتح تراجع قوة إيران مجالاً واسعاً أمام أنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، وهو ما يخلق تخوفات حقيقية لدى إسرائيل من توسيع حضورها في مناطق عدة".
شركاء استراتيجيون
وفي محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى لمصلحة إسرائيل بعد أن راجعت تركيا قدراتها العسكرية وعززت مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والأمن السيبراني، وتعمل للدفع لامتلاك قدرات ردع متقدمة، تعمل تل أبيب إلى تحويل خصوم تركيا من مجرد شركاء محدودين إلى شركاء استراتيجيين. فلم يكن تعاون إسرائيل مع قبرص واليونان أخيراً بهدف تعزيز التعاون الثلاثي في البحر المتوسط وتضييق دائرة نفوذ تركيا وحسب، بل لأن هاتين الدولتين أتاحتا لها فرصة الوجود العسكري على مقربة من السواحل التركية. وعلى رغم العلاقة الإيجابية بين أنقرة وواشنطن خلال الأشهر الماضية، فإن إسرائيل تستخدم نفوذها مع الولايات المتحدة لإعاقة برامج تسليح تركيا، ومشاريعها السياسية والاقتصادية. فعقب حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي الروسية "أس 400" عام 2016، سعت تل أبيب لاستبعادها من برنامج مقاتلات "أف 35" الأميركية، على رغم أن أنقرة كانت قد دفعت بالفعل ثمن أول ست طائرات مقاتلة. ووفقاً للكاتب والباحث السياسي طه أوغلو، فإن إسرائيل ترفض أي تفوق تركي محتمل، بخاصة إذا ما جرى دمج مقاتلات "أف 35" مع الصناعات الدفاعية التركية المتصاعدة، من مسيرات وأنظمة صواريخ. وأشار الكاتب إلى أن "اللوبي الإسرائيلي يتمتع بنفوذ قوي داخل الولايات المتحدة، يضغط بكل الطرق لمنع تركيا من الحصول على هذه المقاتلات".
حققت الصناعات الدفاعية والجوية التركية قفزة تاريخية غير مسبوقة مع نهاية العام الماضي (الجيش الإسرائيلي)
دروس وعبر
وعقب تحليلات موسعة أجريت للحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) من العام الماضي، نشرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية، التابعة لجهاز الاستخبارات "MIT"، دراسة مهمة للحكومة التركية، توصي بضرورة بناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات بعد أن أظهرت إسرائيل في الحرب الماضية سيطرة جوية مطلقة، وزيادة وتسريع الاستثمارات التركية في الصواريخ الباليستية والفرط صوتية ومنحها الأولوية الكبرى في تصنيع أسلحة الدفاع، لما أظهرته من قوة في اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية التي، على رغم تعددها، لم تكن كافية لمواجهة الصواريخ الإيرانية "الفرط صوتية". وأوصت الدراسة بضرورة إعطاء الأولوية للأنظمة المسيرة وتقنيات الحرب الإلكترونية، بعد أن تبين أن الدفاع التقليدي في إيران في حرب الـ12 يوماً لم يتمكن من مواجهة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية. ونبهت الدراسة الحكومة التركية إلى ضرورة وجود أنظمة إنذار مبكر ضد أي هجمات جوية محتملة مع بناء ملاجئ في منشآت استراتيجية مزودة بالمتطلبات التقنية اللازمة، وأخرى جماعية يسهل الوصول إليها خصوصاً في المدن الكبرى. ولأن العناصر المجندة داخلياً في الهجمات الإسرائيلية على إيران كان لها دور كبير في الحرب السابقة، شددت الدراسة على أهمية إغلاق الباب أمام عمليات مماثلة، عبر إعطاء عناية خاصة للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي قد تؤثر على الأمن الداخلي التركي. ووفق ما ورد في الدراسة، فإن حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران العام الماضي شكلت نموذجاً معقداً لـ"عمليات متعددة الأبعاد"، جمعت بين البر والجو والبحر، إلى جانب المجالين السيبراني والكهرومغناطيسي، مع استخدام مكثف للتكنولوجيا المدنية والأساليب غير التقليدية في إدارة المعركة.
تطور كبير
خلال العقد الأخير، لم تخف المراكز البحثية ووسائل الإعلام الإسرائيلية ومسؤولون تخوفاتهم الجدية من التطور اللافت الذي تشهده تركيا في مجال الصناعة الدفاعية، حيث أظهرت قدرة فائقة على تحقيق استقلالية عسكرية وباتت أحد المصدرين الرئيسين للأسلحة في السوق العالمية. ووفقاً لما أعلنه رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) خلوق غورغون، فقد حققت الصناعات الدفاعية والجوية التركية قفزة تاريخية غير مسبوقة مع نهاية العام الماضي، حيث تجاوزت قيمة صادراتها عتبة الـ10 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخها، محققة نمواً هائلاً بنسبة 48 في المئة مقارنة بعام 2024 الذي بلغت صادراته 7.1 مليار دولار، مما يرسخ مكانة أنقرة، بحسب مراقبين، كمورد عالمي موثوق في سوق السلاح. ووفقاً للبيانات الرسمية، قفزت حصة قطاع الدفاع من إجمالي الصادرات الوطنية التركية من 1.7 في المئة عام 2022 إلى 3.7 في المئة عام 2025، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقطاع كركيزة أساسية للاقتصاد التركي. وبحسب مراقبين، فإن استحواذ حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول الاتحاد الأوروبي إضافة إلى الولايات المتحدة على 56 في المئة من إجمالي الصادرات، يؤكد ثقة القوى العسكرية الكبرى في التكنولوجيا الدفاعية التركية. وفي تصريحات لافتة تعكس التقدم المتسارع الذي تحرزه الصناعات الدفاعية التركية، كشف وزير الصناعة والتكنولوجيا، محمد فاتح كاجر، أن بلاده باتت تحتكر 65 في المئة من سوق الطائرات المسيرة العسكرية على مستوى العالم. مؤكداً خلال مقابلة تلفزيونية، أن هذه المكانة تضع تركيا ضمن الدول الأكثر خبرة وتميزاً في مجال تطوير وإنتاج الأنظمة غير المأهولة، وهو قطاع يشهد اهتماماً عالمياً متزايداً.
ويرى محللون، أن نتائج الحرب الحالية لم ولن تقتصر على ميزان القوى بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، بل ستنعكس أيضاً على سلوك كل القوى الإقليمية والدول التي راقبت تطورات هذه الحرب. وعليه فإن تل أبيب ستأخذ بعين الاعتبار مواقف تلك الدول وعلى رأسها تركيا والفاعلين الإقليميين المحيطين بها والمتأثرين، لتنطلق بتحليلات بعيدة المدى تعيد حساباتها السياسية والأمنية.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=199&id=205002