غاز لبنان تحت التهديد... إسرائيل تلوّح بإلغاء ترسيم الحدود البحرية
17/03/2026





سيرياستيبس 

على وقع تصعيد إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان جوّاً وبرّاً، وتهديدها المستمر بقصف بنى تحتية مدنية ورسمية، انتقلت تلك التهديدات إلى التلويح بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تم التوصل إليها مع السلطات اللبنانية في أكتوبر/تشرين الأول 2022، في سيناريو سبق أن لجأت إليه إسرائيل، وعلى لسان وزير طاقتها إيلي كوهين نفسه، في أواخر سبتمبر/أيلول 2024، عندما عبّر عن نيته البحث عن ثغرة لإلغاء ما وصفه بـ"اتفاقية الغاز الفاضحة" التي وقّعت مع لبنان.
وكوهين، الذي لطالما اعتبر أن هذا الاتفاق كان خطأ منذ البداية، أعلن أول من أمس الأحد أن حكومة بلاده تدرس إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تم التوصل إليها مع لبنان عام 2022 لتسوية نزاع حدودي بحري في منطقة غنية بالغاز في البحر المتوسط. وأشار إلى أن الاتفاقية التي أبرمتها حكومة سابقة لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت "وثيقة استسلام". ولفت إلى أنه بموجب الاتفاقية حصل لبنان على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهد غامض بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهد لم يُلتزم به على الإطلاق.

وأفادت القناة 14 الإسرائيلية، الخميس الماضي، بأن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرس إمكانية إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، المعروف إعلامياً باسم "اتفاق الغاز"، والذي وُقّع خلال فترة حكومتي نفتالي بينيت ويئير لبيد.
وذكرت القناة أن الخطوة المحتملة تُبحث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل التطورات العسكرية الجارية في المواجهة مع حزب الله، مضيفة أن القرار النهائي بشأن إلغاء الاتفاق سيعتمد إلى حد كبير على التطورات الميدانية، وسيُحسم بتفاهم مشترك بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي أكتوبر 2022، وقبل أيام من انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية، ترتكز على تثبيت الحدود البحرية عند الخط 23 بين البلدين، مع اتفاق الطرفين على إبقاء الوضع القائم بالقرب من الشاطئ كما هو، بما في ذلك على طول خط العوامات البحرية. كما نص الاتفاق على عدم جواز أن يقدم أي من الطرفين مستقبلاً إلى الأمم المتحدة أي مذكرة تتضمن خرائط أو إحداثيات تتعارض مع هذا الاتفاق، ما لم يتفق الطرفان على مضمون هذه المذكرة، إضافة إلى اقتصار الاتفاقية على شقها التقني من دون اعتراف لبنان السياسي بإسرائيل.

كذلك يتقاسم الطرفان، مع الولايات المتحدة، المعلومات المتعلقة بأي مورد يتجاوز الحدود البحرية المعروفة حالياً أو ما سيُكتشف مستقبلاً، بما في ذلك المعلومات التي يحتفظ بها المشغلون العاملون على جانبي الحدود البحرية. كما اتفق الطرفان على أن هذه الاتفاقية تشكل حلاً دائماً وعادلاً للنزاع البحري بينهما، مع نية تسوية أي خلافات تتعلق بتفسيرها أو تطبيقها عبر مناقشات بوساطة الولايات المتحدة.
وفي قراءة لهذه التطورات، يقول الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس بالجامعة الأميركية في بيروت مارك أيوب، إنه بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في سبتمبر 2024، وفي مطلع أكتوبر من العام نفسه، وفي ظل حرب ضروس كانت تشنها إسرائيل على لبنان، خرج كوهين بتصريح عبّر فيه عن نيته البحث عن طريقة أو ثغرة لإلغاء الاتفاقية، وهو اليوم يكرر التصريح نفسه في ظل توسع العدوان الإسرائيلي على لبنان.

ويرى أيوب أن هذا الموقف يمكن وضعه في إطار الضغط الإسرائيلي على الدولة اللبنانية في الشق السياسي، بالتزامن مع الحديث عن قرب عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
ويشير أيوب إلى أن تصريح كوهين يمكن اعتباره تهويلاً، لأن أكثر المتضررين من إلغاء الاتفاقية ستكون إسرائيل وليس لبنان. ويوضح أن إسرائيل حصلت من الاتفاق على ما أرادت من حيث تأمين أجواء الأمن والاستقرار لشركات التنقيب وإنتاج الغاز، وذلك قبل انطلاق معركة طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة.
ويضيف أن إسرائيل حصلت بموجب الاتفاقية على الملكية الكاملة لحقل كاريش، وبدأ إنتاج الغاز فيه رسمياً في 26 أكتوبر 2022، في حين حصل لبنان على ملكية حقل قانا في البلوك رقم 9، وهو ما سمح لشركة توتال إنرجي الفرنسية بحفر بئر استكشافية في أكتوبر 2023 قبل أن تغادر بعد أحداث أكتوبر 2023، إلا أن النتائج جاءت سلبية، وبالتالي لم يستفد لبنان فعلياً من الاتفاقية.
ويلفت أيوب إلى أن "لبنان، في حال إلغاء الاتفاقية، يمكنه المطالبة باعتماد الخط 29 حدوداً بحرية، وهو الخط الذي كان قد تخلى عنه عام 2022، ما يمنحه كامل حقل قانا ونحو نصف حقل كاريش. لذلك يمكن القول إن التصريحات الإسرائيلية تأتي في سياق الضغط والتهويل، خاصة أن الاتفاقية دولية وإلغاؤها يحتاج إلى موافقة الطرفين، باعتبار أنها مسجلة لدى الأمم المتحدة عبر رسائل بعث بها كل من لبنان وإسرائيل، علماً أن إسرائيل قد تحاول إلغاءها من طرف واحد، لكن مثل هذه الخطوة ستكون غير قانونية".
من جانبها، تقول الخبيرة في الشؤون الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان، إن إلغاء الاتفاقية سيضر إسرائيل أكثر من لبنان، لأن قطاع الطاقة في لبنان شبه متوقف، بينما يعد قطاعاً نشطاً وفعالاً في إسرائيل، وبالتالي فإن هذه الديناميكية قد تتعرض للخطر.
وتوضح أن إلغاء الاتفاق قد يستخدمه حزب الله ذريعة لضرب حقل كاريش أو بنى تحتية للطاقة في إسرائيل، ما قد ينعكس سلباً على قطاع الطاقة الإسرائيلي ويهدد استقراره في المستقبل.
وتشير هايتيان إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تهدد فيها حكومة نتنياهو بإلغاء الاتفاقية، لكنها لم تنفذ تهديداتها حتى الآن. إلا أنه في حال قررت إسرائيل إلغاء الاتفاق فعلياً، فعليها إرسال رسالة إلى الأمم المتحدة تعلن فيها أنها لم تعد تعترف بالاتفاق وإحداثياته، وتقدم إحداثيات جديدة قد تعود إلى ما يعرف بالخط الإسرائيلي رقم 1، معلنة أن هذه هي حدودها البحرية. وبموجب هذا السيناريو، قد يشمل الخط الجديد جزءاً كبيراً من البلوك رقم 8 اللبناني وجزءاً من البلوك رقم 9.

وتضيف هايتيان أن شركة توتال تخلت عن البلوك رقم 9، أي أنه لا توجد شركات تعمل فيه حالياً، وبالتالي فإن إلغاء الاتفاقية سيعيد جزءاً منه إلى دائرة النزاع كما كان الحال قبل عام 2022.
كما أن تحالف شركات "توتال" و"قطر للطاقة" و"إيني" الإيطالية كان قد وقّع اتفاقاً مطلع عام 2026 للتنقيب عن الغاز في البلوك رقم 8 مع لبنان، ما يعني أنه في حال غيّرت إسرائيل إحداثياتها البحرية، فقد ترسل تحذيراً إلى السلطات اللبنانية وإلى هذه الشركات في محاولة لمنعها من العمل، على الأقل في المنطقة المتنازع عليها.

وتتابع هايتيان أن لبنان، في المقابل، إذا تخلت إسرائيل عن الاتفاقية، يمكنه إما الإصرار على الخط 23، ما يعيد النزاع إلى ما كان عليه قبل عام 2022 بين الخطين 23 و1 على مساحة تقارب 860 كيلومتراً مربعاً، أو أن يصعّد مطالبه ويثبت حدوده البحرية عند الخط 29، وهو ما سيضع الجزء الشمالي من حقل كاريش ضمن منطقة النزاع.
وفي هذه الحالة يمكن للبنان أيضاً توجيه إنذار إلى إسرائيل وإلى شركة إنيرجين المشغلة الحقلَ بأن المنطقة التي يجرى العمل فيها متنازع عليها.
كما يمكن للبنان توجيه إنذارات مماثلة للشركات التي حصلت على تراخيص في بلوك إسرائيلي يعرف باسم Zone I القريب من البلوك رقم 8 اللبناني، مطالباً بوقف أي أعمال إلى حين تسوية النزاع.
وتشير هايتيان إلى أن معظم هذه الحقول لا تشهد نشاطاً حالياً سواء في الجانب اللبناني أو الإسرائيلي، باستثناء حقل كاريش، ما يعني أن شركة إنيرجين لن تكون مرتاحة لاحتمال اندلاع نزاع جديد حول المنطقة.

العربي الجديد



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=136&id=204918

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc