العودة إلى النووي... خيارات الدول لمواجهة حرب الطاقة
16/03/2026





سيرياستيبس 

دخلت الحرب في المنطقة مرحلة من التصعيد العسكري، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن المزيد من الضربات على جزيرة خارج، التي تعد أحد أهم مراكز تصدير الخام الإيراني، وحث حلفاءه على إرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز، في وقت توعدت فيه طهران بتصعيد ردها. وقال ترامب لشبكة إن.بي.سي نيوز: "قد نضربها بضع مرات أخرى لمجرد التسلية"، مؤكداً أن الضربات الأميركية "دمرت تماماً" معظم الجزيرة. 

وتشكل قدرة طهران على وقف الملاحة عبر المضيق، وهو ممر رئيسي لشحن النفط والغاز، معضلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الذين يواجهون ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، إذ تسببت الحرب في أكبر اضطراب على الإطلاق في إمدادات النفط، وأجبرت كبار المنتجين مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر على خفض الإنتاج، ما أدى إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وأغلقت عقود خام برنت جلسة الجمعة عند 102.90 دولار للبرميل، بزيادة بلغت نحو 42% منذ بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026.

ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وسط تصعيد عسكري متبادل يستهدف منشآت الطاقة في المنطقة وعدم وجود أفق لتهدئة هذا التصعيد - إذ قالت ثلاثة مصادر مطلعة لـ"رويترز" إن إدارة ترامب رفضت بالفعل مساعي من حلفاء في المنطقة لبدء مفاوضات تهدف إلى إنهاء الحرب - بدأت الدول الصناعية الكبرى البحث عن خيارات بديلة لتقليل اعتمادها على النفط والغاز، سواء بتسريع خطط التحول نحو الطاقة المتجددة أو العودة إلى الطاقة النووية.

تسريع خطط الطاقة المتجددة
وفي أوروبا، برزت ألمانيا بكونها أحد أبرز المدافعين عن تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية. ودعا وزير البيئة الألماني كارستن شنايدر إلى تسريع اعتماد مصادر الطاقة المتجددة باعتبارها وسيلة لتعزيز أمن الطاقة في البلاد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وقال شنايدر خلال مؤتمر في برلين، أول أمس السبت: "كل كيلوواط/ساعة إضافي من الطاقة المتجددة يجعل بلادنا أقل اعتماداً على النفط والغاز ويجعل إمدادات الطاقة لدينا أكثر أماناً". لكن التحول الطاقي الألماني لا يزال يواجه تحديات. فقد أظهرت بيانات الوكالة الاتحادية للبيئة أن انبعاثات الغازات الدفيئة انخفضت العام الماضي بنسبة 0.1% فقط مقارنة بالعام السابق، ما يعني أن البلاد أخفقت مرة أخرى في تحقيق الأهداف المحددة في قانون حماية المناخ، وخصوصاً في قطاع النقل.
وأشار شنايدر إلى تزايد الإقبال على السيارات الكهربائية ومضخات الحرارة، لكنه أكد أن "التقدم لا يزال بطيئاً للغاية". وأوضح أن انخفاض الانبعاثات في القطاع الصناعي كثيف الاستهلاك للطاقة يعود في الأساس إلى ضعف الاقتصاد الألماني، بينما ارتفعت الانبعاثات في قطاعي النقل والمباني. وأضاف أن الحرب في المنطقة تمثل تذكيراً جديداً لألمانيا بمدى تعرض القاعدة الصناعية الأوروبية لتقلبات أسواق النفط والغاز العالمية، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
العودة إلى النووي 
وفي المقابل، تتجه إيطاليا إلى خيار مختلف نسبياً، إذ تدرس حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إعادة إحياء برنامج الطاقة النووية بعد نحو 40 عاماً من إغلاق آخر مفاعل نووي في البلاد، و15 عاماً على محاولة فاشلة لإلغاء ذلك القرار. وبحسب "بلومبيرغ"، بدأت الحكومة الإيطالية مشاورات مع خبراء دوليين حول كيفية استئناف إنتاج الطاقة الذرية، كذلك أجرى مسؤولون زيارات لكندا وفرنسا لدراسة التكنولوجيا النووية المتاحة. وناقشت الحكومة خيارات تكنولوجية من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

وترى ميلوني أن الطاقة النووية يمكن أن تكون جزءاً من الحل لخفض أسعار الطاقة المرتفعة التي تعاني منها الشركات الإيطالية، والتي تعد من بين الأعلى في أوروبا. وقد وافق مجلس الوزراء الإيطالي العام الماضي على إطار قانوني يمهد لإعادة الطاقة النووية، مع إعداد خطة استراتيجية وطنية بحلول عام 2027. ويمثل هذا القرار أول خطوة ملموسة نحو رفع الحظر المفروض على الطاقة النووية منذ 1987، وهو الحظر الذي كاد يرفع في عام 2011 قبل أن تؤدي كارثة فوكوشيما النووية إلى وقف الزخم السياسي.

وتدرس الحكومة أيضاً خيار المفاعلات النووية صغيرة المعيارية التي يمكن بناؤها بسرعة أكبر وبتكلفة أقل مقارنة بالمفاعلات التقليدية. وقال وزير الطاقة الإيطالي جيلبرتو بيتشيتو فراتين، الثلاثاء الماضي، إن إيطاليا يجب أن تعيد إطلاق برنامجها النووي "في أقرب وقت ممكن"، مؤكداً أن المحطات الجديدة يجب أن تكون آمنة وذات جدوى اقتصادية. لكن مسؤولي حكومة ميلوني يدركون أن المهمة لن تكون سهلة. فإقناع بلد صوّت مرتين في استفتاءات عامة لمنع الطاقة النووية سيتطلب مناورة سياسية دقيقة واختيار التوقيت المناسب، وفقاً لبعض المصادر. كذلك إن اقتراب الانتخابات العامة يزيد تعقيد الأمر.

إضافة إلى ذلك، قد تتحول مشاريع الطاقة النووية إلى مشروعات مكلفة للغاية تتأخر لسنوات، كما حدث في فرنسا والمملكة المتحدة. وحتى إذا سارت الخطط كما هو متوقع، فقد تدخل الطاقة النووية الإيطالية الخدمة في وقت تكون فيه الأسواق قد تحولت نحو خيارات طاقة أكثر خضرة وأقل مخاطر من حيث السلامة. وتعتمد إيطاليا بدرجة كبيرة على استيراد الغاز الطبيعي، ما يجعلها أكثر عرضة من العديد من الدول الأوروبية لتقلبات الأسعار الدولية.
توجه أوروبي وآسيوي
ويتزامن التوجه الإيطالي لإحياء البرنامج النووي، مع إعادة تقييم أوسع للطاقة النووية داخل الاتحاد الأوروبي. فدول أخرى مثل بولندا تسعى أيضاً لإنشاء صناعة نووية جديدة. كذلك بدأ الاتحاد الأوروبي تخفيف القيود على تمويل المشاريع النووية، ويوفر ملايين اليوروهات لدعم الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع. ومع ذلك، تبقى التكاليف عقبة كبيرة. فالمشاريع النووية تستغرق سنوات وتكلف مليارات الدولارات. 

كذلك هناك مشكلة النفايات النووية السامة لقرون. وتشعر السلطات الإيطالية أيضاً بالقلق من المعارضة المحلية. ولهذا تفكر الحكومة في إقامة المفاعلات الجديدة في مناطق كانت تستضيف مفاعلات نووية سابقاً. لكن أي موقع محتمل يجب أن يكون مستقراً جيولوجياً، وهو أمر ليس سهلاً في بلد ضيق المساحة ومعرض للزلازل مثل إيطاليا. كذلك فإن هذه التحديات قد تعقد خطط نشر المفاعلات الصغيرة، إذ تخضع هذه التكنولوجيا للمعارك السياسية المحلية والإجراءات البيروقراطية نفسها التي تواجهها المفاعلات الكبيرة، رغم أنها تنتج نحو ثلث الكهرباء فقط مقارنة بالمفاعلات التقليدية.

وفي آسيا، يتزايد الاعتماد على الطاقة النووية أيضاً، في جزء من استراتيجية أمن الطاقة. وفي هذا السياق قدم بنك التصدير والاستيراد الأميركي دعماً مالياً يصل إلى 4.2 مليارات دولار لمساعدة مشغلي الطاقة النووية في اليابان وكوريا الجنوبية على شراء الوقود النووي المخصب من شركة جنرال ماتر الأميركية. وقد أصدر البنك خطابات اهتمام لتمويل هذه العمليات، تشمل ما يصل إلى 2.4 مليار دولار لمشغلي الطاقة النووية في اليابان، وما يصل إلى 1.8 مليار دولار للمشغلين في كوريا الجنوبية.

وأُعلِنَت هذه الخطابات خلال المنتدى الوزاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين، الهندي والهادئ، الذي عُقد في طوكيو يومي 14 و15 مارس/ آذار 2026، بمشاركة وزراء الطاقة ومسؤولين حكوميين ورؤساء شركات من نحو عشر دول في المنطقة، لمناقشة تعزيز أمن الطاقة وتطوير سلاسل الإمداد والاستثمارات في قطاع الطاقة. وجاء هذا الدعم إضافة إلى تمويلات أخرى أعلنها البنك خلال المنتدى، بما في ذلك دعم مشروع لتصدير الغاز الطبيعي المسال تطوره شركة دلفين ميدستريم الأميركية قبالة ساحل لويزيانا، إضافة إلى مشاريع استخراج وتكرير المعادن الحيوية.
وقال جون يوفانوفيتش، رئيس بنك التصدير والاستيراد الأميركي، إن هذه الصفقات ستساعد في دعم الصناعات المحورية للقوة الاقتصادية والاستراتيجية طويلة الأجل للولايات المتحدة، وستعزز تطوير سلاسل توريد آمنة وموثوقة عبر منطقة المحيطين، الهندي والهادئ. وأضاف في تصريحات له، أمس الأحد، أن هذه الشراكات تعزز الروابط الاقتصادية وتضمن تطوير الموارد والتكنولوجيات الحيوية وتوريدها من قبل شركاء يتشاركون القيم والمصالح الاستراتيجية نفسها.

وتعمل شركة جنرال ماتر الأميركية على تطوير قدرة لتخصيب اليورانيوم في الولايات المتحدة بهدف إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب المستخدم في المفاعلات الحالية، إضافة إلى اليورانيوم منخفض التخصيب عالي العيار اللازم للمفاعلات النووية المتقدمة. كذلك يدعم بنك التصدير والاستيراد اتفاقية شراء طويلة الأجل لمدة 10 سنوات أبرمتها شركة ترافيغورا لشراء مواد الهيدروكسيد المختلط وكربونات الليثيوم التي ستنتجها شركة إنث سايكل في منشأة بولاية كارولاينا الجنوبية. وبحسب البنك، تمثل هذه الصفقة أكبر اتفاق تجاري متعدد المعادن يُبرَم بين مورد مواد خام معاد تدويرها وشركة لتكرير المعادن الحيوية.

العربي الجديد



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=136&id=204907

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc