ورقة في السماء... قنبلة استخبارية فوق بيروت
15/03/2026





سيرياستيبس 

أثناء إعدادي رسالة الدكتوراه في علوم الإعلام، كانت دراسة المناشير التي رمتها إسرائيل على جنوب لبنان وبيروته جزءاً غنياً في التحليل السيميائي للدراسة لما تحتويه من مضمون في النص والصورة أو الكاريكاتير. وأمس عادت إسرائيل إلى استخدام أداتها الأشهر في الحرب النفسية، وأطلقت قنبلة مناشير سقطت على سيارة في منطقة الحمرا في قلب العاصمة بيروت وحطمتها.

في مضمونها لا شيء جديداً، فهي تستعمل نفس اللغة في مخاطبة اللبنانيين حيث تنص على ما يلي "أيها اللبنانيون! من أجل مصلحة الجميع من الأفضل أن تمتلئ هذه الصفحات بالكلمات. لذلك عليكم نزع سلاح "حزب الله" درع إيران". ثم بخط أصغر عنوان "لبنان هو قرارك. مش قرار غيرك." مع نص أصغر بالأخضر يقول "الاستقرار مش مجرد كلمة. هو حق لكل لبناني. ثم بخط أسود وأصغر "الوحدة 504 عم تشتغل لضمان مستقبل لبنان وشعبه إيماناً منها بمبدأ "جارك بخير، إنت بخير" إذا بدك تكون جزء من التغيير الحقيقي وتساهم بازدهار وطنك وحمايته، نحن هون لنسمعك".

وذيل المنشور برمز الاستجابة السريع QR code لتطبيق واتساب وآخر لفيسبوك وتحتها جملة "سريتك وأمانك أوليتنا" بتوقيع "وحدة الاستخبارات البشرية".

يعد هذا المنشور نسخة مطورة من الحرب النفسية القديمة التي لطالما استخدمت فيه إسرائيل المناشير كأدوات حرب نفسية. الورقة لا تزال ورقة، لكنها لم تعد تكتفي بالتهديد، فهي تحاول أن تتحول إلى منصة تجنيد واتصال واستخبارات عبر رمز يقود إلى قنوات تواصل مباشرة.

تحذير الجيش والخبراء
وقد أصدر الجيش اللبناني بياناً حذر فيه من مسح هذه الرموز. معتبراً أنه "في ظل الاعتداءات الإسرائيلية على مختلف المناطق اللبنانية، فقد ألقت طائرة إسرائيلية منشورات ورقية فوق مدينة بيروت، تتضمن رمزاً لرابط يعود على تطبيق واتساب وآخر على منصة فيسبوك للتواصل مع وحدة الاستخبارات البشرية "الوحدة 504" في الجيش الإسرائيلي التي تعنى بتجنيد العملاء.

‏تحذر قيادة الجيش المواطنين من خطورة مسح الرمز والدخول إلى هذه الروابط لما ينطوي عليه من مسؤولية قانونية وخطر أمني، إضافة إلى التمكن من خرق الهواتف الخلوية والوصول إلى البيانات الشخصية...".

والنص الطويل يحمل عدة أهداف، من جذب الانتباه إلى التبرير والدعوة إلى القرار. ولأن بعض الناس لا يحبون القراءة فقد يستسهل بعضهم مسح الرمز والدخول إلى الموقع المطلوب، وهذا ما حذر منه خبراء بأنه قد يتم الحصول على معلومات من هاتف من يمسح الرمز حتى لو لم يتفاعل أكثر.

مناشير استخباراتية
الجديد في هذا المنشور ليس فقط مضمونه واستخدامه التكنولوجيا، إذ تعد وظيفته هي الأهم. ففي المناشير التقليدية كان الهدف أن يقرأ المتلقي الرسالة ويخاف أو يقتنع أو يرتبك. لكن هذا المنشور يطلب منه التفاعل السريع، أن يفتح هاتفه ويمسح الرمز ويدخل إلى مساحة تواصل تديرها الجهة المرسِلة. كـأننا أمام بوابة اصطياد رقمي مغلفة بلغة الحرص على المصلحة العامة. وذلك بتحويل الشخص المدني إلى مصدر معلومات، بما ينسجم تماماً مع تطور الحرب النفسية من خطاب عام إلى هندسة سلوك فردي.

استدعاء للهوية الوطنية
يفتتح المنشور بعبارة كبيرة وواضحة "أيها اللبنانيون"، كما دأبت إسرائيل في مخاطبة الشعب من خلال مناشيرها السابقة. هذه المخاطبة إعلان اختيار مقصود لهوية عليا يريدها المنشور أن تتقدم على كل الهويات الأخرى، فهو لا يخاطب الجنوبيين أو أهالي الضاحية الجنوبية، ويختار مصطلح "اللبنانيون" ليضع نفسه مباشرة في قلب الانقسام اللبناني الداخلي، ويقدم المعركة كأنها بين لبنان والحزب، وليست بين إسرائيل ولبنان. وكأن الطائرات التي تقصف المدنيين والمسعفين والأطفال والنساء والنازحين صارت فجأة جمعية مدنية قلقة على السيادة.

وفي الخطاب يتنقل من المخاطبة الجماعية إلى الفردية، ومن الفصحى إلى العامية في جملة "لبنان هو قرارك، مش قرار غيرك". وهذا ينسجم مع منطق الحرب النفسية حيث لا تقنع المجتمع كله، إنما تفتح فيه ثقوباً فردية.

الوعظ والتهديد والتجنيد
"من أجل مصلحة الجميع من الأفضل أن تنتهي هذه الصفحة بالكلمات. لذلك عليكم نزع سلاح حزب الله، درع إيران".

تستخدم إسرائيل عادة اللعب على الكلمات والتواء الأساليب في مناشيرها، فهذه الجملة في ظاهرها هي لغة تسوية ونصيحة وتجنب الأسوأ، لكنها في جوهرها لغة ابتزاز سياسي. كأنها تقول للبنانيين إذا لم تفعلوا ما نطلبه، فإن الصفحة المقبلة لن تنتهي بالكلمات. أي إن القصف والدمار يقدمان هنا كاحتمال منطقي تتحملون أنتم مسؤوليته إن لم تستجيبوا.

والأهم في المنشور إعلان توظيف استخباراتي صريح. فهو يشير إلى أن "الوحدة 504" تعمل "لضمان مستقبل لبنان وشعبه"، ويعرض قناتي QR للتواصل، مع عبارة "سريتك وأمانك أولويتنا". وهنا يسقط القناع "الأخلاقي" بسرعة، لأن المنشور لا يظهر كنداء سياسي أو رسالة تهويل، ويصبح دعوة مباشرة إلى التعاون الأمني مستخدماً اللغة الكلاسيكية لتجنيد المخبرين.

الهوية البصرية
بصرياً، لا يبدو المنشور بياناً عسكرياً كلاسيكياً. فاللون الأخضر الهادئ يعمل كلون مريح، ووسيلة لنزع الطابع العدائي عن الرسالة. والدرع ترمز إلى الحماية، وليس إلى الهجوم. أما تصميم الصفحة، فيقترب من منشورات السلامة العامة أو النشرات الإرشادية، وليس إلى أوراق التهديد التقليدية. فيحاول المنشور أن يبدو محايداً وعقلانياً، فيما هو في الحقيقة يصدر عن طرف يقصف المدينة نفسها التي يلقي فوقها نصائحه الخضراء وتجنيده للعملاء. أما الفونتات المستخدمة فهي أربعة مختلفة التي مثل Cairo Bold لجذب الانتباه، والـHelvetica لخصائصه الوظيفية في الوضوح والشرح، وخط رفيع وآخر عريض كله بهدف توزيع التفاصيل وتقسيم الرسالة. 

يراهن المنشور على المدني الخائف الذي يريد بأي ثمن تجنب الدمار، فيخاطبه بلغة "من أجل مصلحة الجميع". وعلى الخصم السياسي لـ"حزب الله" داخل لبنان، فيعطيه مفردات جاهزة عن السيادة و"قرارك مش قرار غيرك". وعلى الأفراد القابلين للتواصل السري، أي أولئك الذين قد تدفعهم الخصومة أو الخوف أو المصلحة إلى التفاعل مع الروابط والرموز.

ويراهن أيضاً على إنتاج الشك داخل المجتمع. فالحرب النفسية لا تحتاج دائماً إلى أن يقتنع الناس برسالتها، يكفيها أحياناً أن تزرع الريبة وتفتح باب التخوين، وتجعل كل علاقة موضع احتمال.

هكذا ولدت المناشير
يبدو أن المناشير على بساطتها التقنية، كانت ولا تزال إحدى أقدم أدوات الحرب النفسية وأكثرها حضوراً في ساحات الصراع، لأنها تستهدف ما هو أعمق من الجبهة العسكرية، فهي تستهدف معنويات الإنسان وإيمانه بالمعركة التي يخوضها.

والحرب النفسية لم تبدأ مع عصر الطائرات المسيرة أو وسائل التواصل الاجتماعي، فلقد سبقتها أدوات بدائية ظاهرياً لكنها شديدة التأثير. فقبل ظهور الطائرات الحربية استخدمت الجيوش المناطيد والبالونات لإسقاط المناشير الدعائية فوق مناطق العدو، في محاولة للتأثير في معنويات الجنود والسكان. وتعود إحدى أقدم هذه الممارسات إلى عام 1854، حين استخدم الفرنسيون المناطيد لإلقاء منشورات دعائية فوق مواقع الروس خلال حرب القرم التي اندلعت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، وانضمت إليها فرنسا وبريطانيا إلى جانب الدولة العثمانية.

ومع تطور وسائل القتال، دخلت الطائرات الحربية إلى هذه المعركة النفسية. ويعتقد أن أول مناشير مطبوعة ألقيت بواسطة الطائرات فوق خطوط العدو وقعت عام 1914 خلال الحرب العالمية الأولى، عندما أسقطت الطائرات الألمانية منشورات فوق خطوط الحلفاء حول مدينة نانسي الفرنسية بهدف التأثير في الجنود وضرب روحهم المعنوية ودعوتهم إلى الاستسلام. ولم يكتف الألمان بالمناشير، بل أصدروا أيضاً مجلة دعائية بعنوان Gazette des Ardennes كانت موجهة تحديداً للجنود الفرنسيين. وبحلول 1915 كانت حرب ورقية كاملة قد اندلعت بين القوات الجوية الألمانية وسلاح الجو الملكي البريطاني. وبعد ستة أشهر أنشأ الفرنسيون إدارة للدعاية الجوية تولت إسقاط مجلة "صوت الوطن" فوق المناطق الفرنسية المحتلة.

ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية تطورت هذه الأساليب إلى مستوى أكثر تنظيماً. فقد خصص الأميركيون سرباً كاملاً من قاذفات القنابل مهمتها الوحيدة إسقاط المنشورات الدعائية، حتى بلغ عدد المنشورات التي كانت تلقى أسبوعياً فوق أوروبا المحتلة في نهاية الحرب أكثر من 7 ملايين نسخة. أما البريطانيون فقد ابتكروا أسلوباً آخر لنشر الدعاية، إذ أصدروا صحيفة صغيرة الحجم بعنوان Feldpost يمكن إطلاقها بواسطة قذائف المدفعية لنقل الأخبار والرسائل الدعائية إلى القوات الألمانية في الميدان. وقد صدر العدد الأول من هذه الصحيفة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1944، وكانت تصدر في البداية مرة أسبوعياً ثم أصبحت تصدر مرتين أسبوعياً، كما يؤرخ مدير المخابرات المصرية صلاح نصر، أيام الرئيس السابق جمال عبدالناصر، في كتابه الحرب النفسية عام 1966.

المجازر قبل المناشير
واستمرت هذه الوسائل في الحروب المعاصرة أيضاً. ففي حرب الخليج الأولى عام 1991 ألقت القوات الجوية الأميركية نحو 29 مليون منشور دعائي فوق القوات العراقية، وعند استسلام نحو 87 ألف جندي عراقي تبين أن 70 في المئة منهم كانوا يحملون تلك المنشورات، مما اعتبر مؤشراً إلى تأثيرها النفسي المباشر.

وفي السياق العربي الإسرائيلي، شكلت الحرب النفسية جزءاً ثابتاً من الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل. فمنذ حرب 1948 التي أدت إلى تهجير الشعب الفلسطيني، استخدمت إسرائيل الرعب ونشر الذعر بين المدنيين كوسيلة للضغط النفسي. وتعد مجزرة دير ياسين مثالاً بارزاً على ذلك، إذ كان لها أثر نفسي كبير في بث الخوف بين سكان القرى المجاورة، مما أدى إلى انهيار معنوي سريع وسقوط عديد من المناطق تحت وطأة الذعر الجماعي. ويرى بعض الباحثين أن هذا التأثير النفسي كان عاملاً مهماً في ترجيح كفة المعركة بحسب كتاب عبدالرحمن غنيم، "مدفعية إسرائيل النفسية وحرب حزيران" عام 1968.

وفي هذا الإطار أقر خبير الحرب النفسية الإسرائيلي رون شلايفر في كتاب له بأن الجيش الإسرائيلي استخدم المناشير الدعائية الموجهة إلى الجنود العرب، حيث كانت تدعوهم إلى العودة إلى منازلهم بدلاً من القتال في معركة ليست معركتهم، متسائلة: "لماذا تموت على تراب أرض أجنبية؟". وقد كانت هذه المنشورات تلقى فوق لبنان، حيث كان متطوعون من سوريا والعراق يأتون للمشاركة في القتال.

وفي الحروب الحديثة لم يتغير جوهر هذه الأداة كثيراً، إذ استخدمت إسرائيل المناشير في لبنان بين عامي 1982 و2006 لأهداف متعددة، يتجلى أبرزها المتعلق بالحرب ضد "حزب الله" في تهديد السكان المدنيين ودفعهم إلى النزوح أو التهجير ومحاولة خلق شرخ بينه وبين البيئة الحاضنة، ودعوة مقاتلي الحزب إلى الهرب أو الاستسلام وتحريضهم على قيادة الحزب. إضافة إلى محاولة تحطيم صورة الأمين العام السابق حسن نصرالله عبر تحميله مسؤولية الدمار والخراب في لبنان والتشكيك في خطاباته.


مناشير تصفية الحساب
ظهر أسلوب المناشير بوضوح للمرة الأولى خلال حرب "تصفية الحساب" عام 1993، في أول معركة كبرى بين إسرائيل و"حزب الله"، يومها ألقت الطائرات الإسرائيلية منشوراً طويلاً بدأ بتذكير اللبنانيين باجتياح عام 1982، وكأن الورقة تحاول استحضار ذاكرة الجنوب المثقلة بالدمار والخوف. وقد ركز المنشور على تذكير الجنوبيين بالثمن الباهظ الذي دفعوه خلال تلك السنوات، محذراً من احتمال تكرار السيناريو نفسه.

لكن في المواجهة الكبرى التالية بين الطرفين عام 1996، المعروفة بعملية "عناقيد الغضب"، لم تلجأ إسرائيل إلى المناشير الورقية. فقد فضلت استخدام وسيلة أخرى للحرب النفسية، هي إذاعة ميليشيا جيش لبنان الجنوبي "صوت الجنوب" التي استخدمت بكثافة لبث البيانات والتحذيرات والتهديدات التي تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم. حيث يمكن القول إنها كانت بمثابة مناشير صوتية.

 عودة المناشير قبل حرب 2006
عادت المناشير بقوة إلى المشهد مع اقتراب حرب لبنان الثانية في يوليو (تموز) عام 2006. حتى إن استخدامها بدأ قبل اندلاع الحرب نفسها، بالتزامن مع إعادة إحياء وحدة الحرب النفسية في الجيش الإسرائيلي تحت اسم "ملاط". ففي عام 2005، ورداً على عمليات "حزب الله"، ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورين فوق مناطق صيدا وصور جنوب لبنان بتاريخ 30 يونيو (حزيران) و23 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد حمل المنشوران مضموناً متشابهاً يقوم على تحذير اللبنانيين والحكومة من "أعمال الحزب الإرهابية" وما يمكن أن تجره على لبنان من خراب.

غير أن الاستخدام الأكثر كثافة للمناشير جاء خلال حرب يوليو 2006. فبحسب الباحث والمؤرخ الأميركي هربرت فريدمان المتخصص في الحرب النفسية والدعاية العسكرية، الذي يعد من أبرز من وثقوا استخدام المناشير الدعائية ووسائل التأثير النفسي في الحروب الحديثة، لم تلجأ إسرائيل إلى هذا الأسلوب الدعائي في أي مرحلة كما فعلت في تلك الحرب. فقد نفذت الطائرات الإسرائيلية 47 مهمة إسقاط منشورات فوق لبنان، وألقي خلالها أكثر من 17 مليون نسخة من حوالى 37 منشوراً مختلفاً، بعضها أسقط أكثر من مرة فوق مناطق لبنانية مختلفة.

 لغة المناشير بين الترهيب والتبرير
تظهر المناشير التي كانت موجهة إلى السكان أنها اعتمدت خطاباً مزدوجاً يجمع بين التحريض والترهيب والتبرير في آن واحد.

فمن جهة، كان مضمونها يحمل طابعاً تحريضياً واضحاً ضد الحزب، ومن جهة أخرى، كانت تخاطب السكان بأساليب متعددة، فتظهر أحياناً بمظهر الحريص على سلامتهم عبر دعوتهم إلى الابتعاد عن مواقع الحزب ومقاتليه، ثم تتحول إلى خطاب تحذيري يطالبهم بعدم تقديم أي مساعدة للحزب، أو يطلب منهم مغادرة منازلهم فوراً والإخلاء التام والفوري لمناطقهم، وصولاً إلى التحذير من العودة إليها.

واستخدمت هذه المنشورات لغة المبالغة في توصيف القوة العسكرية الإسرائيلية بهدف بث الخوف، عبر عبارات مثل "الذراع الطويلة"، و"قوة إسرائيل الهائلة"، و"ستقصف بقوة شديدة"، و"قوة نار جيش الدفاع الإسرائيلي أضعاف مضاعفة"، و"عمل بشجاعة وقوة"، و"سيضرب ببالغ القوة"، وصولاً إلى العبارة الرمزية "إسرائيل بيت من فولاذ".

وبدت بعض المناشير حينها وكأنها رد مباشر على خطاب الحزب أكثر من كونها محاولة لإقناع اللبنانيين. فقد استحضرت بعض المنشورات عبارة "بيت العنكبوت" التي وصف بها نصرالله إسرائيل في احتفال التحرير عام 2000 في مدينة بنت جبيل، وردت عليها بالصور والنصوص مؤكدة أن إسرائيل وجيشها "بيت من فولاذ".


تأثير المناشير
يبقى قياس تأثير الحرب النفسية أمراً بالغ الصعوبة. لذلك اعتمدت أثناء إجراء أطروحة الدكتوراه على مقابلات مع مسؤولين عسكريين ومدنيين في "حزب الله"، إضافة إلى آراء باحثين أميركيين وخبراء إسرائيليين وصحافيين ومواطنين لبنانيين.

وبحسب خبير الحرب النفسية الإسرائيلي رون شلايفر، فإن أهداف الحرب النفسية الإسرائيلية عام 2006 كانت تنقسم إلى هدفين أساسيين. الأول عسكري يتمثل في وضع حد لقصف شمال إسرائيل. أما الثاني فهو سياسي ويتمثل في زعزعة موقع "حزب الله" داخل لبنان وتعميق الانقسام بين الحزب والشيعة وبقية اللبنانيين. غير أن شلايفر نفسه اعتبر أن استهداف "قائد العدو" مسألة حساسة قد تكون عبثية أو تؤدي إلى رد فعل معاكس، لأن المجتمعات الواقعة تحت الحصار تميل غالباً إلى الالتفاف حول قادتها.

وفي تقرير أعدته الصحافية الألمانية أولريك باتز اعتبرت أن حملة الحرب النفسية الإسرائيلية عام 2006 كانت أقل من مذهلة، وأن المنشورات التي ألقيت كانت سيئة الصنع ولم تحقق التأثير المطلوب.

أما المؤرخ مايكل بروفنس من جامعة كاليفورنيا، الذي كان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت أثناء الحرب، فقد قال إنه شاهد عدداً كبيراً من هذه المناشير، وإن رد الفعل الأول للبنانيين كان الفزع، ثم السخرية من فظاظة الرسوم الكرتونية فيها.

بدوره رأى أستاذ العلوم النفسية الدكتور أحمد عياش أن سياسة رمي المناشير من الطائرات أصبحت عديمة الفاعلية في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة التي باتت موجودة في كل بيت.

 ردود الفعل اللبنانية
حتى الصحافة اللبنانية المعارضة لـ"حزب الله" لم تجد في هذه المنشورات ما يقنع الجمهور. فقد كتبت صحيفة "المستقبل" في تحقيق لباسمة عطوي عام 2006 أن المناشير التي ألقيت فوق بيروت أثارت خوف السكان في البداية، لاعتقادهم أنها تحمل تهديداً مباشراً، لكنهم سرعان ما تخلصوا منها بعدما تبين مضمونها التحريضي.

أما داخل "حزب الله" فقد أكد الأمين العام نعيم قاسم (كان نائب الأمين العام حين إجراء المقابلة لمصلحة الدراسة عام 2019) أنه اطلع على بعض المناشير خلال الحرب، لكنه اعتبر أنها لم يكن لها أي تأثير على المقاتلين، مضيفاً أن تأثيرها كان يقتصر أحياناً على المدنيين عندما تتضمن تهديداً بقصف منطقة ما، مما يدفعهم إلى النزوح، لكنه وصف الدعاية الإسرائيلية بأنها بلا قيمة.

وأوضح المسؤول الإعلامي في "حزب الله" حينها محمد عفيف، الذي اغتالته اسرائيل أيضاً عام 2024، أن قناة المنار التابعة للحزب لم تكن تنشر أخبار المناشير التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية، حتى لا تخدم دعاية الإسرائيلي، مضيفاً أن دور القناة كان شن حرب نفسية ضد العدو لا ضد المجتمع اللبناني.

 الورقة التي جذبت الانتباه
سجلت في المقابل حالة لافتة عندما ألقت الطائرات الإسرائيلية فوق بيروت مجسمات صغيرة لشجرة أرز معطرة برائحة الأرز يمكن تعليقها في السيارات. وقد ظهر خلف الشجرة نصرالله مع عبارة "فرقنا بريحة طيبة". وتشير بعض التقارير إلى أن مئات اللبنانيين تجمعوا لالتقاط واحدة من هذه المعطرات، وأنها لاقت شعبية لدى بعض المعارضين لـ"حزب الله"، حتى إن الحزب حاول إقناع اللبنانيين بأنها تحمل إشعاعات مميتة.

وهكذا، بين أوراق تتطاير في السماء وواقع يتشكل على الأرض، بقيت المناشير في حرب يوليو (تموز) 2006 محاولة ورقية لإدارة معركة نفسية لم تحسم بالحبر ولا بالكلمات.

منشور مشابه بينهما 20 عاماً
وإذا عدنا إلى المنشور الذي أسقط قبل ساعات على العاصمة بيروت بتفاصيله سنجد منشوراً مشابهاً رمي في بيروت عام 2006 يتوجه إلى اللبنانيين بهدف تقديم معلومات عن "حزب الله"، ويعرض رقم هاتف وبريد إلكتروني وموقع على الإنترنت، مع ضمان السرية للمتصلين وعرض مبلغ مالي.

وفي نص المنشور "نتقبل بالشكر أية معلومة بإمكانها أن تسهم في إعادة الهدوء إلى المنطقة، وحتى نستطيع محاربة المخربين بالنجاعة والحذر المناسب. ساعدونا لكي نساعدكم في تخليص لبنان من هذا الشر وإعادة الحياة في المنطقة إلى طبيعتها. من أجل سلامتكم اتصلوا بنا من أماكن لا يعرفكم فيها أحد". 

اللافت أن المنشور الجديد لا يعرض أموالاً، لكنه يذيل توقيعه بوحدة الاستخبارات البشرية من دون ذكر جنسية هذه الوحدة، حتى لم يذكر الجيش الإسرائيلي أو دولة إسرئيل كما درج توقيعهم للمناشير القديمة.

وإذا أخذنا المنشور الجديد في ضوء ما سبق من تحليل المناشير الإسرائيلية في حروب 1993 و2006، فإن الوظيفة الأكثر واقعية له ليست إقناع جمهور واسع بقلب موقفه جذرياً، أكثر من هدف إثارة الذعر وتغذية الانقسام وفتح قنوات فردية للتواصل الاستخباراتي. وهو أقرب إلى أداة تفكيك اجتماعي منه إلى أداة إقناع سياسي جماهيري.

فالمنشور ليس عادياً، ويمكن قراءته بوصفه تحريضاً على "حزب الله"، ووثيقة صغيرة مكتظة بالنيات. ففيه استدعاء للهوية الوطنية ضد خصم داخلي، وابتزاز تحت اسم "مصلحة الجميع"، وفيه تجميل بصري لرسالة عدوانية، ودعوة صريحة إلى التواصل السري مع جهة عسكرية معادية، وكل ذلك تحت سقف القصف المتواصل.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=145&id=204885

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc