تنظيم
عقد عملٍ بين مصرف لبنان ورجا سلامة (شقيق الحاكم، رياض سلامة)، تحويل
الدولارات إلى الخارج من حسابات مصرف لبنان إلى حسابات شركات وأفراد
لغاياتٍ شخصية، إصدار شهادات إيداع (مُنتج مالي يعني إيداع مبلغٍ من المال
لدى «المركزي» وتجميده لفترة زمنية مُحدّدة، مقابل الحصول على معدّلات
فائدة أعلى من تلك المعطاة على الودائع) استنسابياً للمصارف، حرية التصرّف
بالدولارات التي أودعتها المصارف في حساب «التوظيفات الإلزامية»، القيام
بعربدات مالية (تُسمّى هندسات مالية لإخفاء حقيقتها الجرمية بإعطاء أرباح
للمصارف على حساب المودعين والمال العام)، إبرام اتفاقيات مع مؤسسات مالية
ومصارف عالمية لتودع مبالغ مالية لدى مصرف لبنان من دون تبرير الغاية منها،
إقراض المصارف من الأموال التي سبق أن أقرضتها لمصرف لبنان، المضاربة على
العملة الوطنية... غيضٌ من فيض ارتكابات رياض سلامة خلال فترة تولّيه
حاكمية مصرف لبنان. 28 عاماً، كان خلالها سلامة الحاكم بأمره، مُحتمياً
بقانون النقد والتسليف الذي أعطاه صلاحية مُطلقة، وبالشراكة التي عقدها مع
حكّام الجمهورية الثانية ــــ وعلى رأسهم رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري
ــــ لـ«إعادة إعمار» لبنان ليكون «كازينو» الشرق، مُستثنيين عن قصدٍ
الاهتمام بالتنمية والإنتاج على أنواعه.

«قد نكون اتّخذنا قرارات تبيّن بعد فترةٍ تأثيرها السلبي على المجتمع، لأنّنا اطّلعنا حصراً على المعطيات التي أراد سلامة كشفها لنا» (عضو سابق في المجلس المركزي)
المادة
33 من قانون النقد والتسليف تُحدّد المهام الـ 12 للمجلس المركزي، والتي
تُلخّص بوضع «سياسة المصرف النقدية والتسليفية». أما سلامة فقد اختصر
«المجلس» بشخصه، مُحوّلاً إيّاه إلى مُجرّد «مُصدّق» على قراراتٍ يُحدّدها
هو بالتعاون مع بعض المديرين في مصرف لبنان «يُدينون بالولاء المُطلق
لسلامة، أسوةً بغالبية موظفي المصرف، المُعَينين بقرار منه ووفق محسوبيات
طائفية وسياسية وشخصية». شكّل الحاكم «مجلس قيادة» البنك المركزي، منهياً
دوره كـ«مؤسسة» عبر حصر كلّ الصلاحيات بشخصه. يُقرّر استنسابياً الملفات
التي يعرضها على المجلس المركزي، وماذا يحجب، حتّى ولو وقعت في صلب السياسة
النقدية. وحوّل باقي هيئات القطاع المالي إلى «المشتى» الخاصّ به، تُنفّذ
ما يُطلب منها، ويستعين بها ليُغطّي قرارات يُدرك عدم قانونيتها. حصل ذلك
في الـ 2017 حين أراد سلامة القيام بـ«هندسة مالية» لمصرف سيدروس يُحكى عن
كونها جزءاً من «صفقة» تمديد ولايته، فعرضها على لجنة الرقابة على المصارف
حتى ينال الغطاء القانوني لها، رغم أنّه لم يفعل ذلك مع الهندسات السابقة.
الهندسات
هي أحد أهمّ القرارات التي اتخذها سلامة مُنفرداً. بدأت في الـ 2014،
وأكسبت المصارف أرباحاً فورية بلغت 5.6 مليارات دولار سنة 2016 وحدها،
وأرباحاً مستقبلية عبر التوظيفات في سندات دين بالعملات الخارجية. في
مقابلةٍ مع قناة «الجديد»، قال المدير العام السابق لوزارة المالية (والعضو
السابق للمجلس المركزي لمصرف لبنان) آلان بيفاني، إنّه عَرف بالهندسات مِن
الرئيس ميشال عون. «وكلّما طلبنا عرض ملفّ الهندسات على المجلس المركزي،
كان سلامة يخلق الأعذار للتهرّب، مُستفيداً من أنّه يحتكر أيضاً وضع جدول
أعمال المجلس المركزي، ويرفض مناقشة بنودٍ من خارجه»، بحسب المصادر.
إلا
أنّ مخالفة الأنظمة لم تقتصر على الهندسات، «سيطر سلامة أيضاً على قرار
التصرّف بالأموال المؤتمن عليها في مصرف لبنان، ولا سيما الودائع التي
تودعها المصارف لديه والتوظيفات الإلزامية». لا يعرف أعضاء المجلس المركزي
حجم المبالغ الموجودة في حسابات مصرف لبنان، وماذا يشتري الحاكم بها، وكيف
يُوزّعها... أُثير الموضوع مرّات عدّة في المجلس المركزي، وتمّت المطالبة
بتحديد استراتيجية التوظيف والمعايير الواجب الالتزام بها، «من دون جدوى».
وفي الإطار نفسه يأتي «توزيع القروض المدعومة بشكل مستقل عن أي استراتيجية
نقدية واقتصادية»، وحين راسله وزير المالية علي حسن خليل طالباً معرفة
كيفية توزيع القروض المدعومة من قبل الخزينة العامة، رفض سلامة بذريعة
السرية المصرفية. هذه السرية نفسها فرضها على الوزير السابق جورج قرم حين
أبلغ الحاكمَ بنيته إرسال مندوب من وزارة المالية إلى مصرف لبنان لدى إصدار
سندات الدين لمراقبة العملية. قال له قرم إنّ السرية تنطبق على الدائن
وليس على المدين، وإنّ من حقّ الدولة الاطلاع على توزّع أموالها. التزاوج
يومها بين السلطات السياسية والنقدية والقضائية صبّ لمصلحة سلامة، مع إصدار
هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل رأياً لمصلحة سلامة، لجهة إخضاع
سندات دين الدولة للسرية التي تحول دون اطلاع الدولة نفسها على عملية بيع
سنداتها! فالأخير كان يستخدم سندات الدين العام كوسيلة لمضاعفة أبراح
المصارف، عبر اختيار البنوك المحظية التي تشتري تلك السندات التي تدرّ
عليها فوائد سخية.
أيضاً، اتخذ سلامة مُنفرداً قرار إصدار شهادات
الإيداع للمصارف، كما «التفّ مراراً على صلاحيات المجلس المركزي، حين عقد
مباشرةً مع وزير المالية الأسبق، فؤاد السنيورة تحديداً، اتفاق استبدال
سندات دين خارجية بدين سيادي مع الدولة»... وصولاً إلى انكشاف العقد مع
شركة «فوري ــــ Forry»، أي شقيق سلامة، والتي وقّع معها عقد عمل بأكثر من
330 مليون دولار أميركي، وهو ما أدى إلى فتح تحقيق في سويسرا، ثم لبنان،
بحق حاكم المصرف المركزي. ينفي أعضاء المجلس المركزي حين توقيع العقد
(2001) علمهم بالاتفاقية أو حتى بشركة «فوري»، رغم أنّ العقد تمّ بناءً على
قرار من المجلس المركزي بـ«تكليف الحاكم بالتوقيع». بخضوع المحاضر لسرية
المداولات، كيف يظهر إن كان سلامة قد زوّر قراراً للمجلس المركزي أم أنّ
الأعضاء ارتكبوا خطأ؟ تُجيب المصادر بأنّ الحاكم «كان يضع جدول أعمال فيه
الكثير من البنود، وكلّ بند يتضمن رأي المديرية المعنية، وتُوَزّع البنود
على أعضاء المجلس قبل 24 أو 48 ساعة فقط. وحين كنا نطلب تأجيل البحث لمزيد
من الدرس، كان يردّ بأنّ الأمر طارئ، وسُرعان ما يطرحه على التصويت». لماذا
لم يرفع الأعضاء الصوت ويستقيلوا؟ «في النهاية، يملّ المرء من كثرة
الاعتراض وكتابة الرسائل التي تُضيء على الأخطاء، فيما سلطة الحاكم مُطلقة
وأحد من السياسيين لا يُريد المسّ به». يعترف أكثر من عضو سابق في المجلس
المركزي لمصرف لبنان بأنّه «قد نكون اتّخذنا قرارات تبيّن بعد فترةٍ
تأثيرها السلبي على المجتمع، لأنّنا اطلعنا حصراً على المعطيات التي أراد
سلامة كشفها لنا»!
المصدر:
http://www.syriasteps.net/index.php?d=126&id=187965