سيريا ستيبس – علي
محمود جديد
أثناء قيام الوزير
الجديد ( طلال البرازي ) تأدية اليمين الدستورية أمام السيد الرئيس بشار الأسد كوزير
للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، أكد الرئيس الأسد على ضرورة اضطلاع وزارة التجارة
الداخلية بمسؤولياتها وخاصة فيما يتعلق بضبط الأسواق ومراقبة الأسعار ومنع التلاعب
بها واحتكار المواد.
إذن بات من الواضح
أنّ هذه هي المعادلة التي عجز عنها الدكتور عاطف الندّاف، ولم يكن ناجحاً في تفاعلاتها،
وهي ( ضبط الأسواق .. ومراقبة الأسعار ومنع التلاعب بها .. واحتكار المواد ) وليس بعيداً
أن تكون هي التي أطاحت به، وهي ذاتها التي يؤمل من طلال البرازي أن ينجح في تفاعلاتها،
ووضعها على السكة الصحيحة.
ليس الأمر سهلاً
.. ولكنه ممكن
بعد أدائه اليمين
الدستورية أمام السيد رئيس الجمهورية، بات السيد طلال البرازي وزيراً حقيقياً، فما
عليه كي يكون وزيراً ناجحاً إلاّ أن يستخدم قدراته الإدارية في الوقوف على جدول أعمال
النجاح، والبدء بتنفيذه بكل حزمٍ وصرامة وقوة، وإلاّ فسيلقى مصير سلفه الذي لا يُحسد
عليه.
في الحقيقة ليس الأمر
سهلاً، ولكنه لا يخرج عن دائرة الممكن، فحتى يدرك الوزير البرازي كيف يمكن لوزارته
الجديدة أن تضطلع بمسؤولياتها، عليه مراجعة القانون / 37 / لعام 2018 ويمشي به بنداً
بنداً، ويدرك طريقة النفاذ إلى الهدف المرسوم.
فهذا القانون يضع
الوزير أمام مهامه الصعبة، وما عليه إلاّ أن يتدبّر أمره في إيجاد مختلف الطرق والوسائل
المشروعة لتنفيذ تلك المهام.
رفع مستوى المعيشة
إن كل ما تفعله وزارة
التجارة الداخلية وحماية المستهلك لا يساوي شيئا – بنظر هذا القانون – إن لم تصل الأمور
بالنهاية إلى رفع مستوى المعيشة، فهو يوضح وبصريح العبارة أن الوزارة تتولّى اقتراح
السياسة العامة للدولة في قطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك والإشراف على تنفيذها،
وتأمين البيئة المناسبة للأسواق الداخلية والمحافظة على استقرارها، ورسم الاستراتيجيات
ووضع وتنفيذ الخطط المؤدية إلى ضمان توفر المواد والسلع الأساسية بما يساهم في رفع
مستوى المعيشة.
القدرة التنافسية
وأمام الوزير البرازي
مهمة عويصة جداً، غير أنها ممكنة أيضاً، من خلال التركيز وعقد العزيمة على أن يُحدث
تغييراً عميقاً في المشهد السلعي للأسواق السورية، وللمنتجات التي تغذي هذه الأسواق،
وذلك من خلال المساهمة في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وقطاع الأعمال، وإيجاد
البيئة الملائمة لتفعيل المنافسة ومنع الاحتكار بهدف حماية المستهلك، وهذه هي أولى
المهام التي وضعها القانون / 37 / أمام وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.
إن تجاوز هذه المهمة
واعتبارها نوع من الترف الإداري والتنظيمي، كفيلٌ بإخراج الوزارة عن سكتها الصحيحة،
ووضعها أمام العديد من المطبات التي لن تستطيع بعد تراكمها من أن تجد سبيلاً لتلافيها
ولا للنهوض.
والقدرة التنافسية
هي – حسب بعض الدراسات الاختصاصية – تتمثّل بقدرة الشركات أو القطاعات الإنتاجية أو
الدولة على تسويق منتجاتها وزيادة مبيعاتها، في ظل المنافسة مع السلع الأجنبية في الأسواق
الداخلية والخارجية، وتعتبر قدرة المنتجات الوطنية على الدخول بقوة إلى الأسواق الخارجية
وفرض وجودها بقوة، وجذب المستهلكين هناك على طلبها، من أهم ميزات القدرة التنافسية،
ومن هنا فإن القدرة التنافسية على مستوى التجارة الداخلية ربما تتمثّل بضمان هذه القدرة
للسلع الوطنية في السوق الداخلية، ويمكن أن ترجع هذه القدرة إلى الأسعار المنخفضة
(التنافسية السعرية) أو إلى عوامل أخرى خارجة عن السعر (الجودة، الابتكار، العلامة
التجارية... وما إلى ذلك) وكلتا الحالتين ممكنة، فهناك الكثير من المقومات التي تجعل
من أسعار منتجاتنا منخفضة، ولاشك بأن من بين هذه المقومات دقة أداء وزارة التجارة الداخلية
من خلال المتابعة الجدية لتكاليف السلع وعدم السماح بالقفز فوق هذه التكاليف إلا بالحدود
المنطقية والموضوعية، وأخذ التجارة الداخلية دورها في هذا المجال، حتى وإن وصل الأمر
إلى فرض التسعير الإداري عند اللزوم.
ما الذي علينا فعله
..؟
لا يفيد وزارة التجارة
الداخلية وحماية المستهلك الاختباء وراء إصبعها، وتفترض أن لا علاقة لها بهذا الأمر
أو ذاك، فعليها أن تبحث دائما عن السبل التي من شأنها تحقيق غاياتها، وتبادر إلى فتح
الطرق من أجل تسهيل الوصول إلى الهدف المنشود، وتبتعد عن الذرائع التي توهمها بأنها
تُخلي ساحتها من المسؤولية والواجب، متسلّحة بالقانون / 37 / المكلفة بداهةً بتنفيذه.
فقيام الوزارة باقتراح
السياسة العامة للدولة في قطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك والإشراف على تنفيذها،
وتأمين البيئة المناسبة للأسواق الداخلية والمحافظة على استقرارها، ورسم الاستراتيجيات
ووضع وتنفيذ الخطط المؤدية إلى ضمان توفر المواد والسلع الأساسية بما يساهم في رفع
مستوى المعيشة.. لا يأتي أبداً من خلال الركون إلى الذرائع والتملّص من المسؤولية،
وإنما هذا يستدعي التدخّل بكل ما من شأنه تحقيق هذه الأهداف، وتقديم المبادرات والاقتراحات
والعمل على تنفيذها، سواء كان من جهة تأمين وفرة عوامل الإنتاج (الموارد الطبيعية والعمالة
والتكنولوجيا) وانخفاض تكلفتها، وتوفر البنية التحتية المحفزة للاستثمار كالمناطق الصناعية
المجهزة وشبكات الطرق والموانئ والمطارات ووسائل الاتصالات، وإلى ما هنالك، وجودة المنظومة
التعليمية وتوفر عمالة محلية ماهرة ومؤهلة للتعاطي مع التكنولوجيات الحديثة وإتقان
العمل بها، والاهتمام بالسياسات الاقتصادية الداعمة كالسياسة النقدية التي تقضي بخفض
أسعار الفائدة وتؤدي بالتالي إلى تراجع تكلفة التمويل بالنسبة للشركات، وخفض مستوى
سعر الصرف الفعلي الحقيقي، إضافة إلى السياسة الإنفاقية والسياسة الصناعية اللتين تشجعان
البحث العلمي والابتكار، وتتيحان مخرجاتهما للشركات مجانا أو مقابل أسعار منخفضة، والأهم
من ذلك الحوكمة الرشيدة وفعالية المؤسسات وسيادة القانون والعدالة، مما يؤدي إلى تحسين
مناخ الأعمال والحد من البيروقراطية، فلن يفيد أبداً أي تنفيذ انتقائي للقانون، وهذا
بالمناسبة سرعان ما يتم كشفه، وإن حصل واكتُشِف فإن السوق يُعجّل بأخذ حقنة مكثّفة
من الفساد الذي سرعان ما يودي بالوزارة إلى متاهات مُعقّدة كثيرة لن تستطيع الخلاص
منها.
ولتحقيق تنافسية
ناجحة لا بدّ أيضاً من الاستعانة بسياسات تسويق خلاقة ومبدعة تستعين بدراسة الأسواق
لتطوير منتجات متميزة عن منافسيها وتستجيب لتطلعات المستهلكين، علاوة على بناء علامات
تجارية ذائعة الصيت وقريبة من المستهلكين والترويج لها أيضاً.
ضمان اعتدال الأسعار
ومن الأهداف التي
حدّدها القانون / 37 / لوزارة التجارة الداخلية أن تقوم بتنظيم الأسواق الداخلية، واتخاذ
الإجراءات اللازمة لضمان اعتدال الأسعار ومنع الاحتكار وغيرها من الممارسات التجارية
الضارة والمخلة بالمنافسة.
إذن على الوزارة
أن تتخذ ( إجراءات ) لضمان اعتدال الأسعار، وأن لا تقف متفرّجة – كما عهدناها – بانتظار
الفرج القادم من زيادة العرض مع بداية المواسم كي تعتدل الأسعار، فعلى هذه الإجراءات
أن تبقى من هواجسها الدائمة، وعلى الوزارة أن تحددها وتقررها وتقوم بتنفيذها بلا هوادة،
لتأتي زيادة العرض للمواسم داعمة لتلك الإجراءات، وليست بديلة عنها، ولا ذريعة لعدم
التحرك.
إغلاق الفجوة بين
العرض والطلب
ومن المهام الأساسية
التي حددها القانون / 37 / لوزارة التجارة الداخلية، التنسيق مع الجهات المختصة بما
يحقق تغطية الفجوة بين العرض والطلب في الأسواق المحلية من المواد والسلع الأساسية
بالاستيراد المباشر، وكذلك 'تصدير الفائض من الإنتاج المحلي بعد تغطية الطلب بالأسواق
المحلية.
كم هو حضاريٌّ هذا
القانون ..؟ وكم هو موضوعي ومنطقي ..؟ ولكن كم هو – مع الأسف – مجرّد حبرٍ على ورق
من شدة الاختراق وعدم الاكتراث ..؟!!
فالفجوة بين العرض
والطلب غير مستقرة في كثير من الأحيان، فهي تشي بعدم التغطية عند ارتفاع الأسعار بسبب
قلة العرض أمام اشتداد الطلب، وهذا لا يحتاج إلى أدلّة لإثباته في أسواقنا المشتعلة.
كما أن تغطية الطلب
بالأسواق المحلية .. والتي هي الحالة السابقة للتصدير لزاماً بحكم القانون / 37 / ليبقى
التصدير حكماً لفوائض الانتاج .. غير محققة، والأدلة على هذا الأمر ساطعة اليوم بقوة
.. فالتصدير على قدمٍ وساق .. والأسعار تزداد ارتفاعاً واشتعالاً .. والوزارة تتفرّج .. !
وهناك العديد من
الأهداف والقضايا التي حددها القانون / 37 / التي لن تنجح وزارة التجارة الداخلية إن
لم تلتزم بها .. وبعصبيّة أيضاً .
توصية الرئيس
وبالإضافة إلى تركيز
السيد رئيس الجمهورية على ضرورة اضطلاع الوزارة بمسؤولياتها، فقد أكد سيادته للبرازي
على (ضبط الأسواق .. ومراقبة الأسعار ومنع التلاعب بها .. واحتكار المواد )
وهنا نشير إلى أنّ
الآليّة النمطيّة المتّبعة في ضبط الأسواق تساهم حالياً إلى حدٍّ كبير في فلتان الأسعار
والأسواق، لأن أكبر المخالفات يمكن أن تُمرّر بالرشوة، وأصغرها يمكن أن يُجعل منها
قضية عظمى لا سبيل لتمريرها، ولا نذيع سرّاً في ذلك، فهذا أمر صار يعرفه الجميع، وبات
من قضايا الرأي العام التي تحتاج إلى جهود جبارة من الوزير الجديد كي يعيدها إلى مسارها
الصحيح بعد أن ابتعدت كثيراً خارج السرب.
فقواعد الرقابة المتبعة
لا تحتاج إلى مجرد تعديل .. وإنما إلى إصلاح كامل .. إن لم يكن إلى نسف من الجذور
.. وإعادة البناء .. !
أما مراقبة الأسعار
ومنع التلاعب بها فكلنا يعرف اليوم أن الأسعار غير مراقبة، ومتروكة على الغارب، ولم
نسمع أن الوزارة ولا مديرياتها قامت يوماً بالتدقيق بسعر مادة واحدة، فهم أحياناً يهتمون
بقضية الإعلان عن السعر، وليكن هذا السعر ما يكون، وهذا خطأ كبير، وتراخي وعدم اكتراث،
وقد بات اليوم مخالفة واضحة وصريحة لتوجيهات السيد رئيس الجمهورية، فعلى الوزارة أن
تكون بشأنها شديدة الحزم، ولا يجوز تركها هكذا تسير على هوى مطامع وجشع بعض التجار.
لتبقى أمامنا مسألة
منع ( منع احتكار المواد ) فعلى الرغم من أهمية هذه القضية فإن الاحتكار يجري على قدمٍ
وساق، وما على الوزير البرازي كي ينتصر على هذه القضية إلاّ أن يلتفت بقوة وجديّة نحو
( هيئة المنافسة ومنع الاحتكار ) المفوّضة بصلاحيات واسعة، والكفيلة بمنع الاحتكار
فعلاً، فهي الذراع الأقوى لوزارة التجارة الداخلية التي يمكنها ملاحقة الاحتكارات ومنعها،
غير أن هذه الهيئة – مع الأسف – هي اليوم وباختصار لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، إنها
مشلولة تماماً ولا تعمل شيئاً، وهذه من أكبر الثغرات المسكوت عليها من قبل وزارة التجارة
الداخلية، فلا بد من إحيائها والأخذ بيدها، وإعطائها كل ما تحتاجه من الزخم والدعم
المادي واللوجستي كي تلعب دورها المنوط بها في السوق.
أخيـــراً
إن الطرائق والأساليب
التي يمكن من خلالها للبرازي أن يفشل في مهمته سهلة جداً، فلا تحتاج إلى أكثر من الإهمال
والتسيّب، وترك الأسواق والأمور على ما هي عليه، ولكنه كي ينجح .. فهو أمام مهمة صعبة
.. وكما أشرنا فإنها ممكنة جداً، وما عليه سوى الاختيار، والحقيقة فإن تاريخ نجاحات
البرازي يطمئننا بأنه لن يقبل الفشل، هذا مبدئيا .. ولكن القرار بالنهاية للوقائع،
التي نأمل أن نراها وقد غيّرت سلوكها وهندامها .. وكل توجهاتها.
|