سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:27/07/2026 | SYR: 23:43 | 27/07/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 أزمة اليد العاملة في مرحلة إعادة الإعمار
المهندس ياسر أسعد : حين لا تكفي البطالة لسدّ نقص العمالة... من سيبني سوريا؟
27/07/2026      


 إن توفير فرصة عمل كريمة لأي سورية أو سوري من أي محافظة أو مكوّن اجتماعي لا يعني زيادة الإنتاج فحسب , بل يعني أيضاً تقليص أسباب التهميش والاحتقان وإشعار الجميع بأن لهم مكاناً متساوياً في سوريا الحره , فالعدالة الانتقالية لا تتحقق بالمحاسبة وجبر الضرر وحدهما بل تكتمل بفتح أبواب المستقبل أمام جميع السوريين وتمكينهم من المشاركة في بناء وطنهم على قدم المساواة

 

 


يقدم المهندس ياسر الأسعد في مقاله الجديد لموقع سيرياستيبس مقاربة واقعية لواقع االبطالة في سوريا .. ويعرض لنقص العمالة بطريقة تجعل من الحلول التي التي اقترجها بمثابة خارطة عمل حقيقية لرفع مستوى أداء ومهارة العمالة السورية أولا .. و توفير فرصة العمل لها عوضا عن التوجه نحو استيراد العمالة الأجنبية مهما كان مستواها

ضمن سياق يؤكد الكاتب فيه أن السلم والعدالة إنما يمران من توفير فرصة عمل كريمة لكل السوريين

 

سيرياستيبس

كتب المهندس ياسر علي أسعد

 

قد تبدو المفارقة للوهلة الأولى عصيّة على الفهم كيف يمكن لبلدٍ يعاني واحدة من أعلى معدلات البطالة أن يواجه في الوقت نفسه نقصاً حاداً في اليد العاملة ؟

 لكن هذه ليست مفارقة نظرية بل هي الواقع الذي تقف أمامه سوريا الحره مع انطلاق مرحلة إعادة الإعمار, فالتحدي لم يعد يكمن في عدد الباحثين عن فرصة عمل وإنما في امتلاكهم المهارات والخبرات التي يتطلبها اقتصاد جديد يقوم على الإنتاجية والتكنولوجيا والجودة والمعايير المهنية الحديثة .

لقد وضعت الحرب أوزارها بعد أن دمّرت الحجر وأضعفت مؤسسات الدولة، لكن معركة إعادة بناء الإنسان لم تبدأ بعد, وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد مستقبل سوريا الاقتصادي, فنجاح إعادة الإعمار لن يُقاس بحجم الأموال التي تُنفق ولا بعدد الأبراج والطرق التي تُشيَّد بل بقدرة السوريين على إعداد الكفاءات التي ستبني هذه المشاريع وتديرها وتضمن استدامتها. فإما أن تتحول أموال الإعمار إلى نهضة اقتصادية دائمة يقودها السوريون وإما أن تبقى مجرد ورش بناء مؤقتة تنتهي بانتهاء التمويل .

 من سيبني .. ويشغل 

 

يتكرر الحديث عن مليارات الدولارات التي ستُخصص لإعادة بناء المدن والطرق والمستشفيات والمدارس، لكن سؤالاً جوهرياً لا يزال غائباً عن معظم النقاشات من سيبني؟ من سيشغّل المصانع؟ من سيدير المستشفيات التي ستُعاد تأهيلها؟ ومن سيقود ورش إعادة الإعمار؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من حجم التمويل نفسه، لأن رأس المال يستطيع بناء الحجر، لكنه لا يستطيع أن يصنع الإنسان القادر على إدارة عملية البناء .

لا يمكن فهم المشكلة من دون إدراك حجم التحولات التي أصابت سوق العمل السوري خلال سنوات الحرب. فقد ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة وتعطلت منظومة التعليم والتدريب المهني وهاجر مئات آلاف السوريين مهندسين وأطباء وفنيين وحرفيين ومبرمجين وإنخرط قسم منهم في دائره الحرب ودخل ملايين الشباب سوق العمل في الوقت نفسه من دون تدريب مهني أو خبرة تقنية حديثة .

 

 اتساع الفجوة بين مهارات قوى العمل 

 

هكذا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة اقتصادية معقدة , مئات ألاف الباحثين عن عمل وفي المقابل نقص واضح في الكهربائيين المهرة وفنيي اللحام ومشغلي المعدات الثقيلة ومهندسي الصيانة وفنيي الأجهزة الطبية ومبرمجي أنظمة التشغيل وغيرهم من الاختصاصات التي ستشكل العمود الفقري لاقتصاد إعادة الإعمار .

 المشكلة ليست في غياب الأيدي العاملة، بل في اتساع الفجوة بين مهارات القوى العاملة الحالية ومتطلبات الاقتصاد الذي نطمح إلى بنائه, فالعالم تغير خلال العقدين الأخيرين ولم تعد القدرة على حمل أدوات البناء أو تشغيل الآلات التقليدية كافية , فالمشروعات الحديثة تعتمد على تقنيات البناء المتطورة وأنظمة التحكم الرقمية وإدارة الجودة والسلامة المهنية واستخدام المعدات الذكية والتكنولوجيا الرقميه .

لقد أصبحت التنافسية الاقتصادية اليوم تُبنى على العامل الماهر القادر على التعلم المستمر والعمل وفق المعايير الدولية والتكيف مع التكنولوجيا لا على العمالة الرخيصة وحدها .

ويزيد من تعقيد المشهد أن نسبة كبيرة من العمالة السورية تعمل اليوم في القطاع غير المنظم وما تزال مشاركة المرأة في سوق العمل من بين الأدنى في المنطقة، وهو ما يعني أن جزءاً كبيراً من الطاقة الإنتاجية الوطنية ما يزال غير مستثمر.

وفي الوقت نفسه يحدّ المناخ الاستثماري غير المستقر والبيروقراطية الموروثة والتشريعات العمالية من قدرة القطاع الخاص على التوسع واستيعاب أعداد أكبر من العمالة المؤهلة كما أنها لا تواكب التحولات الجديدة في الاقتصاد الرقمي والعمل الحر والعمل عن بُعد .

 

 مخاطر الاستثمار في البديل 

 

لأن السوق لا ينتظر, وإذا لم تستطع سوريا توفير الكفاءات محلياً فسوف تضطر الشركات إلى استقدام عمالة وخبرات أجنبية , كما فعلت دول عديدة شهدت طفرة عمرانية كبيرة وليس في ذلك ما يدعو إلى الرفض إذا كان ضمن خطة واضحة لنقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، لكن الخطأ الحقيقي سيكون في تحويل العمالة الأجنبية إلى بديل دائم عن الاستثمار في الإنسان السوري .

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي خرجت من الحروب لم تبدأ بإعادة بناء الجدران بل بدأت بإعادة بناء الإنسان , فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وكوريا الجنوبية ورواندا وفيتنام والبوسنه , جعلت التدريب المهني أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي وربطته مباشرة باحتياجات السوق وأقامت شراكات متينة بين الحكومات والقطاع الخاص والمعاهد التقنية .

 

 التدريب وتشجيع عودة الكفاءات 

 

 سوريا اليوم بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للقوى العاملة، تقوم على خمسة مسارات متوازية .

أولها، إطلاق برنامج وطني واسع للتدريب المهني السريع يستهدف عشرات الآلاف من الشباب خلال أشهر، لا سنوات، في تخصصات البناء والكهرباء والميكانيك والسباكة واللحام والتكييف وتشغيل المعدات الثقيلة والطاقة المتجددة والتقنيات الصناعية الحديثة .

وثانيها، تشجيع عودة الكفاءات السورية في الخارج عبر حوافز حقيقية، تشمل تبسيط إجراءات العودة والاعتراف بالخبرات وتوفير بيئة عمل تنافسية , لأن الخبرة التي اكتسبها السوريون في أوروبا والخليج وأمريكا الشمالية تمثل ثروة وطنية لا تقل قيمة عن أي استثمار مالي .

وثالثها، الاستفادة المرحلية من الخبرات الأجنبية في المجالات التي تعاني نقصاً حاداً , على أن يكون دورها مؤقتاً ومقترناً ببرامج واضحة لنقل المعرفة وتدريب الكوادر السورية , بحيث تتحول الخبرة المستوردة إلى مدرسة وطنية لإعداد الكفاءات .

 

 التعليم المهني أولوية 

 

أما المسار الرابع , فيتمثل في إعادة هيكلة منظومة التعليم المهني والتقني بالكامل وربطها مباشرة باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل بحيث يصبح القطاع الخاص شريكاً في تصميم المناهج وبرامج التدريب لا مجرد مستفيد منها .

ويتمثل المسار الخامس في إنشاء منصة وطنية رقمية لسوق العمل تربط المستثمرين والمقاولين ومراكز التدريب والباحثين عن العمل , وتوفر قاعدة بيانات دقيقة عن احتياجات السوق الحالية والمستقبلية بما يسمح بتوجيه التدريب نحو المهن المطلوبة فعلاً ,لا نحو اختصاصات تعاني أصلاً فائضاً في الخريجين .

من المشجع أن بعض الخطوات بدأت بالفعل , سواء من خلال برامج الأشغال العامة التي يجري إعدادها بدعم من المنظمات الدولية , أو عبر التعاون مع اتحاد غرف الصناعة لتوسيع برامج التدريب والتأهيل الصناعية , ومع رجال أعمال سوريون يطمحون لرؤيه اخوتهم متميزين , أو من خلال العمل على تحديث قانون العمل وإجراء أول مسح وطني شامل للقوى العاملة , بما يساعد على بناء السياسات الاقتصادية على بيانات دقيقة بدلاً من التقديرات والانطباعات .

غير أن نجاح هذه المبادرات سيظل رهناً بوجود تنسيق حقيقي بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية، وبقدرتها على تحويل المبادرات المتفرقة إلى مشروع وطني متكامل لتنمية رأس المال البشري .

 استقرار قانوني وسياسي 

 

إن نجاح إعادة الإعمار لن يعتمد على التدريب وحده بل يحتاج أيضاً إلى بيئة مستقرة قانونياً وسياسياً وإلى إصلاحات اقتصادية وتشريعية تعزز ثقة المستثمرين وتوفر فرصاً حقيقية للنمو والإنتاج وهو ماأصبح متاحا مع انعقاد الدور التشريعي لمجلس الشعب .

 لا ينبغي النظر إلى الاستثمار في القوى العاملة باعتباره مجرد سياسة لتخفيض البطالة , بل باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة بناء المجتمع نفسه , فكل فرصة تدريب ناجحة تقلل البطالة وكل عامل ماهر يرفع إنتاجية الاقتصاد وكل شاب يجد عملاً لائقاً يصبح شريكاً في الاستقرار والتنمية .

إعادة إعمار سوريا لن تُقاس بعدد الأبراج التي تُشيَّد ولا بطول الطرق التي تُعبد، ولا بحجم الأموال التي تُرصد للمشروعات، بل الحكومه على إعداد الإنسان الذي سيبني هذه المنشآت، ويشغّل هذه المصانع، ويُدير هذه المستشفيات، ويقود الاقتصاد السوري نحو المستقبل .

 

لا يقتصر الاستثمار في تنمية القوى العاملة على كونه خياراً اقتصادياً، بل هو أيضاً أحد أهم أدوات بناء السلم الأهلي وترسيخ العدالة الانتقالية. فحين تُتاح فرص التدريب والعمل أمام السوريين على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص بعيداً عن أي تمييز أو إقصاء تتحول ورش إعادة الإعمار إلى فضاءات لاستعادة الثقة بين السوريين.

 إن توفير فرصة عمل كريمة لأي سورية أو سوري من أي محافظة أو مكوّن اجتماعي لا يعني زيادة الإنتاج فحسب , بل يعني أيضاً تقليص أسباب التهميش والاحتقان وإشعار الجميع بأن لهم مكاناً متساوياً في سوريا الحره , فالعدالة الانتقالية لا تتحقق بالمحاسبة وجبر الضرر وحدهما بل تكتمل بفتح أبواب المستقبل أمام جميع السوريين وتمكينهم من المشاركة في بناء وطنهم على قدم المساواة , ومن هنا فإن كل مركز تدريب يُفتتح وكل مهارة تُكتسب وكل فرصة عمل تُخلق تمثل لبنة في بناء الاقتصاد، وفي الوقت نفسه جسراً يعزز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي ويمنع عودة الانقسامات التي غذّتها سنوات الصراع .

  مشروع وطني لإعادة الثقة بين السوريين 

 إن إعادة إعمار سوريا ليست مشروعاً هندسياً فحسب، بل مشروع وطني لإعادة بناء الثقة بين السوريين , فحين يعمل أبناء مختلف المحافظات معاً في مصنع واحد، أو مستشفى واحد، أو ورشة بناء واحدة، فإنهم لا يعيدون تشييد المدن فقط بل يعيدون أيضاً بناء الروابط التي مزقتها الحرب , ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان هو في الوقت نفسه استثمار في الاقتصاد وفي العدالة الانتقالية وفي السلم الأهلي وفي مستقبل سوريا الحره .

الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت والحديد بل يبدأ بالعقل والمهارة ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومه اليوم ليس فقط , كم سنبني؟ بل قبل ذلك , من سيبني؟ لأن مستقبل سوريا الاقتصادي ومستقبل السوريين ستحددة الإجابة عن هذا السؤال أكثر مما سيحددة حجم الأموال المخصصة لإعادة الإعمار .

لقد دمّرت الحرب الحجر، أما إعادة الإعمار الحقيقية فتبدأ بإعادة بناء الإنسان .



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس