سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:05/08/2026 | SYR: 23:28 | 05/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 بعد اختفاء فئة الـ500.. كيف غيّرت العملة الجديدة تفاصيل البيع والشراء؟
05/08/2026      



سيرياستيبس 

مرّ أسبوع على خروج العملة السورية القديمة من التداول بالكامل، وانتهاء المرحلة الانتقالية التي سمحت باستخدام العملتين القديمة والجديدة معاً، ورغم أن عملية استبدال الأوراق النقدية جرت بسلاسة نسبية، بدأت الأسواق تواجه تحدياً جديداً يرتبط بفئة صغيرة كانت حاضرة في ملايين التعاملات اليومية.

تتمثل المشكلة في غياب فئة الـ500 ليرة القديمة، التي تعادل خمس ليرات بالعملة الجديدة، ويبدو الرقم محدوداً عند النظر إليه منفرداً، لكنه يتكرّر يومياً في محال البقالة والصيدليات ووسائل النقل والمقاهي والأسواق الشعبية، حيث يصعب أحياناً إعادة باقي المبلغ بدقة.

وأدى غياب هذه الفئة إلى ظهور طرق مختلفة للتعامل مع الأسعار، بعضها يقوم على التسامح بين البائع والمشتري، وبعضها على تقريب السعر إلى أقرب فئة متاحة، في حين أعاد تجار طرح مطلب قديم يتمثل في السماح لهم بإعلان الأسعار بالدولار، على أن يكون الدفع بالليرة وفق سعر صرف معتمد.

"سامحني بالخمسمية"
في الأسواق الشعبية ومحال البقالة والصيدليات وسيارات الأجرة، تتكرر عبارة جديدة عشرات المرات يومياً: "سامحني بالخمسمية".

وتظهر المشكلة عندما تنتهي قيمة الفاتورة بمبلغ لا يمكن رده باستخدام الفئات المتداولة، فيتنازل البائع أو المشتري عن قيمة الـ500 ليرة القديمة، بهدف إنهاء العملية سريعاً وتجنب نقاش طويل حول مبلغ صغير لا توجد فئة نقدية تقابله.


وخلال جولة ميدانية، قال عدد من التجار إن الزبائن كانوا يسألون في الأيام الأولى عن باقي المبلغ، قبل أن يتحول التجاوز عن الـ500 ليرة إلى سلوك مألوف في كثير من عمليات الشراء.

وقال صاحب محل للمواد الغذائية: "في البداية كان الزبائن يسألون: أين الباقي؟ أما الآن فأصبحت عبارة سامحني بالخمسمية أمراً عادياً، وكأن السوق وضع قاعدته الخاصة".

وفي عدد من المحال، لم يعد التنازل عن هذا المبلغ حالة استثنائية، وإنما أصبح عرفاً غير مكتوب بين الطرفين، في انتظار تعليمات رسمية توضح طريقة التعامل مع الأسعار التي لا تتوافق مع الفئات النقدية المتاحة.

كل متجر يضع قاعدة للتقريب
أدى غياب تعليمات واضحة بشأن تقريب الأسعار إلى اختلاف طرق التعامل من متجر إلى آخر، فقد اختار بعض أصحاب المحال تقريب الأسعار إلى الأعلى، بحيث تباع سلعة تبلغ قيمتها 15 ليرة جديدة بسعر 20 ليرة، وفضّل آخرون التقريب إلى الأسفل تجنباً لخسارة الزبائن، بينما عدّل قسم ثالث أسعار عدد من السلع لتصبح من مضاعفات عشر ليرات.

وأصبح سعر السلعة يختلف أحياناً بين متجرين متجاورين، من دون أن تكون كلفة شرائها قد تغيرت، وإنما بسبب اختلاف طريقة التعامل مع الفئات النقدية الجديدة.

ويقول أحد التجار إن المشكلة لا ترتبط دائماً بمحاولة رفع هامش الربح، وإنما بغياب تعليمات تحدد آلية موحدة للتقريب، ما ترك لكل صاحب محل مساحة لاختيار الطريقة التي تناسبه.

ويفتح هذا التفاوت الباب أمام خلافات يومية، خاصة عندما يجري التقريب إلى الأعلى بصورة متكررة، أو عندما يشعر المستهلك بأن السعر المعروض لا يعكس القيمة الفعلية للسلعة.

خسارة صغيرة تتراكم
قد لا يشعر المستهلك بأثر 500 ليرة في عملية شراء واحدة، لكن تكرارها خلال اليوم يحولها إلى عبء إضافي، ولا سيما لدى الأسر التي تعتمد على دخل محدود.

ويظهر ذلك عند شراء الخبز والخضراوات والأدوية، أو دفع أجور النقل وثمن المشروبات والاحتياجات اليومية. ففي كل مرة يجري فيها تقريب السعر إلى الأعلى، يدفع المستهلك مبلغاً يزيد على القيمة الأصلية، وقد تتجمع هذه الفروق لتشكل مبلغاً ملحوظاً في نهاية الشهر.


ويخشى مستهلكون من أن تتحول عملية التقريب إلى زيادة تدريجية وغير معلنة في كلفة المعيشة، حتى من دون ارتفاع فعلي في أسعار السلع، كما أن المشكلة لا تقع دائماً على المشتري وحده، ففي بعض الحالات يضطر البائع إلى التقريب إلى الأسفل أو التنازل عن جزء من قيمة السلعة، ما يعني خسارة صغيرة تتكرر مع عدد كبير من الزبائن.

ويتكرر المشهد نفسه في سيارات الأجرة ووسائل النقل، حيث يصعب إعادة جزء من الأجرة عندما تنتهي بقيمة تعادل 500 ليرة قديمة.

وقال سائق سيارة أجرة إن المشكلة قد تتكرر عشرات المرات خلال اليوم الواحد، ما يدفع السائق أو الراكب إلى التنازل عن الفرق، أو تقريب الأجرة إلى أقرب رقم يمكن دفعه، مضيفاً: "لا يستطيع السائق أو الراكب الدخول في نقاش مع كل رحلة بسبب 500 ليرة، لذلك أصبحنا نتجاوزها".

وقد يؤدي غياب قاعدة موحدة إلى اختلاف الأجرة بين سائق وآخر، أو إلى تقريبها بصورة دائمة نحو الأعلى، ما يضيف ضغطاً جديداً على مستخدمي وسائل النقل.

التجار: الفجوة النقدية ليست المشكلة الوحيدة
يرى تجار أن اختفاء فئة الـ500 ليرة يمثل جانباً واحداً من مشكلة أوسع، تتمثل في تقلب سعر صرف الليرة واضطرارهم إلى تعديل أسعار السلع بصورة شبه يومية.

وقال صاحب متجر إن العاملين في المحال يطبعون أسعاراً جديدة باستمرار، أو يشطبون الأسعار القديمة ويستبدلون بها أخرى، ما يجعل الزبائن يعتقدون أن التجار يرفعون الأسعار من دون مبرر، مردفاً: "سعر الصرف يتغير، ونحن نعيد التسعير. لكن الزبون يرى سعراً جديداً كل يوم ويعتقد أننا نزيد أرباحنا".


ويؤثر تقلب الصرف بصورة أكبر في السلع المستوردة، التي ترتبط تكاليفها بالدولار، في حين تباع للمستهلك بالليرة السورية، ويجد التجار أنفسهم أمام احتمالين: تعديل الأسعار بصورة متكررة، أو إضافة هامش احتياط لتجنب الخسارة إذا تراجعت قيمة الليرة قبل بيع البضاعة.

عودة المطالبة بالتسعير بالدولار
دفع تقلّب الأسعار والفجوة بين الفئات النقدية عدداً من التجار إلى تجديد المطالبة بالسماح بإعلان أسعار السلع بالدولار، على أن يسدد المستهلك قيمتها بالليرة وفق سعر صرف معتمد.

وقال أحدهم: "لا نطالب بالتسعير بالدولار لأننا نرفض التعامل بالليرة. الأسعار تتغير كل يوم، ولو أُعلن السعر بالدولار ودُفع بالليرة، لما اضطررنا إلى تغيير البطاقات باستمرار، ولعرف الزبون القيمة الفعلية للسلعة".

ويرى مؤيدو الفكرة أنها قد تخفف الخلافات بين التجار والمستهلكين، وتوفر مرجعاً أكثر استقراراً للسلع المستوردة، خاصة خلال فترات التقلب السريع في سعر الصرف.

في المقابل، تحتاج هذه الخطوة إلى إطار قانوني ورقابي واضح، يحدد سعر الصرف المعتمد وآلية تحديثه، ويمنع استغلال تعدد الأسعار أو تحول التسعير إلى دولرة كاملة للسوق، كما يطرح التسعير بالدولار أسئلة تتعلق بحماية المستهلك، ومدى قدرة الجهات المختصة على مراقبة الأسعار في حال أصبحت القيمة المعلنة بعملة، والدفع الفعلي بعملة أخرى.

الأصفار اختفت من العملة وبقيت في لغة السوريين
غيّرت العملة الجديدة القيمة الاسمية للأسعار بعد حذف صفرين، لكن لغة البيع والشراء لم تتغير بالسرعة نفسها، ففي الأسواق والمكاتب العقارية ومعارض السيارات، ما يزال كثير من السوريين يستخدمون أرقام العملة القديمة عند الحديث عن الأسعار، وما تزال كلمات مثل "مليون" و"مليار" حاضرة، رغم أن القيمة الاسمية الجديدة أصبحت أقل بمئة مرة.

ويقول صاحب مكتب عقاري: "إذا قلت للزبون إن سعر المنزل عشرة ملايين بالعملة الجديدة، سيسأل مباشرة: كم تساوي بالعملة القديمة؟ لذلك ما زلنا نستخدم الملايين والمليارات حتى يفهم الجميع".

ولا يعكس هذا السلوك رفضاً للعملة الجديدة بقدر ما يكشف استمرار الذاكرة الاقتصادية القديمة، فالأرقام التي استخدمها الناس سنوات طويلة في العقود والرواتب والأسعار والديون تحتاج إلى وقت حتى تتغير في أحاديثهم وحساباتهم اليومية.


وتستدعي هذه الحالة تجربة تركيا بعد حذف ستة أصفار من عملتها عام 2005، حين أصبح مليون ليرة قديمة يعادل ليرة واحدة جديدة. واحتاج المجتمع هناك إلى فترة انتقالية قبل أن تتكيف لغة الأسعار والحسابات اليومية مع القيم الجديدة.

ويشير ذلك إلى أن استبدال الأوراق النقدية يمكن إنجازه خلال مدة محددة، بينما يحتاج تغيير اللغة الاقتصادية والعادات الحسابية إلى وقت أطول.

سوق يبتكر حلوله بانتظار التعليمات
بعد أسبوع على بدء التداول الحصري بالعملة الجديدة، تظهر في السوق السوري قواعد يومية نشأت من الحاجة: يتنازل البائع أو المشتري عن المبلغ الصغير، وتقرّب المحال الأسعار بطرق مختلفة، ويتجاوز السائقون والركاب مشكلة الباقي، بينما تستمر لغة الملايين والمليارات القديمة في التعاملات الكبرى.

لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة وغير متساوية، فالتسامح في مبلغ صغير قد يكون مقبولاً في عملية واحدة، لكنه يتحول مع التكرار إلى كلفة إضافية، كما أن اختلاف طرق التقريب يسمح بظهور أسعار متعددة للسلعة نفسها.

ويضع هذا الواقع الجهات المختصة أمام أسئلة تتصل باستكمال عملية الانتقال النقدي: هل تصدر تعليمات ملزمة لتقريب الأسعار؟ وهل تحتاج السوق إلى فئة نقدية أصغر؟ وكيف يمكن تنظيم التسعير في ظل تقلب الصرف، ومنع تحميل المستهلك كلفة الفجوة بين الفئات المتداولة؟


نجاح أي تغيير نقدي لا يتوقف عند استبدال الأوراق وحذف الأصفار، وإنما يمتد إلى التفاصيل التي يواجهها الناس عند شراء حاجاتهم ودفع أجور النقل واستعادة باقي أموالهم. وبعد أن غادرت فئة الـ500 ليرة جيوب السوريين، ما تزال آثارها حاضرة في كل مرة يسمع فيها المشتري أو البائع العبارة التي اختصرت الأسبوع الأول: «سامحني بالخمسمية».

تلفزيون سوريا 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق